في الأنظمة التقليدية، تُقدَّم عقوبة الإعدام بوصفها أقصى درجات العدالة في مواجهة الجرائم الخطيرة. أما في الأنظمة ذات الطبيعة الأيديولوجية والأمنية، فإن هذه العقوبة تتجاوز بعدها القانوني، لتتحول إلى أداة سياسية تُستخدم لإعادة ضبط المجتمع، وإدارة الخوف، وحماية السلطة.
إيران اليوم تقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول.
الإعلان المتكرر عن تنفيذ أحكام الإعدام، خاصة في سياق الاضطرابات الداخلية، لا يمكن قراءته فقط كإجراء قضائي، بل كرسالة سياسية متعددة المستويات. فحين تُتهم شخصيات بالإرهاب أو “العمل لصالح قوى خارجية”، فإن الهدف لا يقتصر على معاقبة الفرد، بل يمتد إلى إعادة تعريف حدود المسموح والممنوع داخل المجتمع.
بمعنى آخر، الإعدام هنا لا يُخاطب المدان… بل يُخاطب الجمهور.
بعد احتجاجات 2022 التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني، دخلت الدولة الإيرانية مرحلة جديدة في إدارة التوتر الداخلي. لم يعد القمع يقتصر على الاعتقالات أو تفريق المظاهرات، بل اتجه نحو تصعيد نوعي: تحويل بعض المعتقلين إلى “نماذج ردع”، تُعرض نهاياتهم كتحذير علني.
اللافت في هذا السياق ليس فقط ارتفاع عدد الإعدامات، بل طبيعة الاتهامات المصاحبة لها. فربط المحتجين أو المعارضين بقوى خارجية—كالولايات المتحدة أو إسرائيل—يؤدي إلى نقلهم من خانة “الخصم الداخلي” إلى خانة “العدو الوجودي”. وهذه نقلة خطيرة، لأنها تبرر أقسى أشكال العقاب باسم حماية الدولة.
وهنا تحديدًا تتقاطع العدالة مع السياسة.
فعندما تُستخدم المحاكم كجزء من منظومة الردع، تصبح الأحكام القضائية امتدادًا للقرار الأمني، لا نتيجة مستقلة له. ويتحول القانون من أداة لتنظيم المجتمع إلى أداة لإدارته عبر الخوف.
لكن السؤال الأهم،ليس في عدد الإعدامات، بل في توقيتها.
لماذا ترتفع وتيرتها بعد كل موجة احتجاج؟
ولماذا تُعلن بهذه الكثافة في لحظات التوتر السياسي؟
الإجابة تكمن في وظيفة الإعدام داخل هذا النظام:
إنه ليس فقط عقوبة… بل وسيلة لإعادة السيطرة.
كل عملية إعدام تُعيد رسم الخط الأحمر، وتُذكّر المجتمع بثمن تجاوزه. إنها عملية “إعادة ضبط جماعي” تُبقي الخوف حيًا، حتى في غياب المواجهة المباشرة.
لكن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها على المدى القصير، تحمل في داخلها تناقضًا عميقًا.
فكلما ازداد استخدام العنف الرمزي، تآكلت شرعية النظام تدريجيًا. ومع مرور الوقت، قد يتحول الخوف من عامل ضبط إلى عامل احتقان، خاصة عندما تترافق الإعدامات مع أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة.
وهنا يظهر التوازن الهش:
النظام يحتاج إلى الخوف ليستمر، لكنه إذا بالغ فيه، قد يُسرّع من فقدان شرعيته.
في السياق الحالي، ومع تصاعد الضغوط الخارجية والضربات التي تستهدف بنية النظام، تزداد أهمية هذه الأداة. فالإعدام لم يعد موجّهًا فقط للداخل، بل يحمل أيضًا رسالة للخارج: أن الدولة ما زالت قادرة على فرض السيطرة، وأنها لم تفقد قبضتها رغم كل التحديات.
لكن هذا لا يحسم السؤال الأكبر:
هل يمكن لنظام أن يحافظ على استقراره طويلًا عبر الخوف وحده؟
التجارب التاريخية تُظهر أن القمع قد ينجح في تأجيل الانفجار، لكنه نادرًا ما يمنعه. بل إن الإفراط في استخدام أدوات الردع قد يُسرّع لحظة الانفجار، عندما يتحول الخوف إلى غضب صامت ينتظر لحظة الانفلات.
في إيران، يبدو أن الإعدام لم يعد مجرد حكم قضائي، بل جزء من معادلة السلطة نفسها.
إنه لغة النظام في مخاطبة شعبه،
وأداته في رسم حدود السياسة،
ووسيلته في تأجيل لحظة المواجهة.
لكن السؤال الذي يبقى معلقًا فوق كل مشهد إعدام:
إلى متى يمكن إدارة مجتمع كامل… بحبل المشنقة؟

