ليس من السهل فهم الواقع السياسي الكردي دون العودة إلى جذوره التاريخية، فالكثير من أنماط التفكير والسلوك السياسي اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتحولات تعود إلى زمن الإمارات الكردية. فالتاريخ، وإن تغيّرت أشكاله، يبقى حاضرًا في بنية الوعي السياسي، ويعيد إنتاج نفسه بطرق مختلفة.
في هذا الإطار، تبرز تجربتان تاريخيتان مهمتان شكّلتا جزءًا من هذا الوعي: إمارة بادينان وإمارة سوران.
مثّلت إمارة بادينان العائلية الوراثية نموذجًا لحكمٍ لم ينشأ بشكل طبيعي، بل جاء في سياق سياسة عثمانية واضحة هدفت إلى ضبط المنطقة. إذ يمكن القول إن الدولة العثمانية أسّست ودعمت هذا الكيان بشكل مباشر ليكون أداةً لمواجهة تمردات الكورد ومحاولاتهم لبناء كيان مستقل. وقد اشترطت عليها إدارة داخلية فاسدة، وعلاقات وثيقة مع السلطة العثمانية، ما مكّنها من الاستمرار لفترة أطول مقارنة بغيرها.
غير أن هذا الاستقرار لم يكن تعبيرًا عن قوة مشروع داخلي، بقدر ما كان نتيجة دورٍ وظيفي أدّته الإمارة ضمن المنظومة العثمانية. ولهذا، لم تتجه نحو بناء مشروع سياسي يشمل جميع الكورد، بل بقيت ضمن حدود الدور الذي رُسم لها، والقائم على احتواء أي نزعة تحررية بدل قيادتها.
في المقابل، جاءت إمارة سوران، خاصة في عهد مير محمد باشا الرواندوزي، كنموذج مختلف تمامًا، حيث سعت إلى توسيع نفوذها وتوحيد مناطق كردية واسعة، محاولةً بناء قوة مركزية أكثر صلابة. غير أن هذا الطموح اصطدم بالقوى الإقليمية، وعلى رأسها الدولة العثمانية، ما أدى في النهاية إلى سقوطها.
وهكذا، تشكّل في الوعي السياسي الكردي نمطان متباينان، لم يكونا مجرد أساليب حكم، بل تحوّلا مع الزمن إلى ذهنية سياسية راسخة:
نمطٌ يسعى إلى الحفاظ على المصالح الذاتية، مهما كان الثمن الذي يدفعه الكورد جماعيًا، حيث يُقدَّم الاستقرار للدولة العثمانية على حساب المشروع القومي الأوسع، فيتحوّل الوجود السياسي إلى إدارة واقعٍ محدود يخدم نخبةً من المجتمع بدل تغييره.
وفي المقابل، نمطٌ آخر يسعى إلى التوسع وبناء كيان مستقل، مدفوعًا بفكرة التحرر والطموح السياسي، لكنه غالبًا ما يصطدم بتعقيدات الداخل وضغوط الخارج، ما يجعله عرضةً للانكسار قبل أن يكتمل مشروعه.
وبين هذين النمطين، ظلّ المسار الكردي يتأرجح، لا يستقر على نموذجٍ قادر على الجمع بين الاستقرار والمشروع، ولا ينجح في تجاوز هذا الانقسام التاريخي الذي ما زال يلقي بظلاله على الحاضر.
لكن ما حدث مؤخرًا يفتح أفقًا مختلفًا. فترشيح نزار أميدي من قبل الاتحاد الوطني الكردستاني لا يمكن قراءته فقط كخطوة سياسية عابرة، بل يمكن فهمه كمحاولة لتجاوز هذا الإرث التاريخي الضيق.
فهذا الترشيح، في بعده الرمزي، يعكس خروجًا عن منطق الاصطفاف التقليدي، وكأنه يعيد الاعتبار لتوازن تاريخي اختلّ منذ قرون، حين أعادت التحولات الإقليمية، خاصة في العهد العثماني، تشكيل مراكز القوة داخل المجتمع الكردي.
إنه لا يمثّل مجرد اختيار سياسي، بل يحمل دلالة أعمق، تتمثل في كسر الحدود النفسية والتاريخية بين أنماط الحكم القديمة، وفتح المجال أمام قراءة جديدة للتمثيل السياسي الكردي، تقوم على تجاوز الانقسام بدل إعادة إنتاجه.
ولهذا، يمكن اعتبار هذه الخطوة حدثًا ذا قيمة رمزية وتاريخيةعظيمة، لأنها تشير إلى إمكانية الخروج من أسر النماذج التقليدية، والتوجّه نحو أفق سياسي أكثر توازنًا وشمولًا.
وفي الختام، يمكن اعتبار ما حدث في بغداد جزءًا من الوعي السياسي الكوردي الجديد، والاستفادة من تجارب الماضي.


One Comment on “الرئاسة في بغداد: كسر إرث الإمارات وإعادة تشكيل الوعي السياسي الكوردي – رضوان فارس”