النجاح مفهوم نسبي في سياق التفاوض،- تحليل نفسیإجتماعی- د. عبدالباقي مایی

 

١٣\ ٤\ ٢٠٢٦

تُعرّف نظرية التفاوض التقليدية النجاحَ بقدرة الأطراف على بلوغ اتفاق يُلبّي مصالحها الجوهرية. غير أن علم النفس الاجتماعي يُضيف بُعداً آخر لا يقلّ أهمية: إدراكُ النجاح الذاتي لدى كل طرف، وهو ما قد يختلف جذرياً عن الواقع الموضوعي. وفي حالة مفاوضات إسلام آباد (11–12 أبريل 2026)، أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن إيران “اختارت عدم قبول شروطنا” بعد 21 ساعة من المحادثات، في حين رأى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الجانب الأمريكي “أخفق في كسب ثقة الوفد الإيراني”. كلٌّ من الطرفين يصف الآخر بالإخفاق، وكلاهما يُقدّم نفسه على أنه الطرف الذي سعى بجدية إلى الحل — وهذه سمة نفسية كلاسيكية في الصراعات ذات الرهانات العالية.

لا يمكن فهم موقف كلٍّ من الطرفين دون استيعاب المنظومة الهوياتية التي يحمل كلٌّ منهما. فبالنسبة لإيران، يرى المحللون أن الشرط الأمريكي المتعلق بالملف النووي لم يُتح لطهران أيّ مخرج يحفظ ماء الوجه، إذ إن البرنامج النووي يُعدّ مسألة كرامة وطنية وأحد محاور الهوية الإيرانية. وهذا يُفسّر لماذا قد يُعدّ الوفد الإيراني مجرد الصمود في وجه الشروط الأمريكية والعودة دون تنازلات مهينة نجاحاً وطنياً بالغ الأهمية، حتى وإن خرج خالي الوفاض من الاتفاقيات الرسمية. وهذا الموقف يشبه صفة الصمود و المقاومة لدی الحركات التحررية، نوعا ما، فی كفاحها ضد سلطات الإحتلال . أما الجانب الأمريكي، فيُقيس نجاحه وَفق معادلة داخلية مختلفة: أشارت التقارير إلى أن نتيجة هذه المفاوضات تحمل تداعيات مهمة على المسيرة السياسية ل”فانس”، بما فيها طموحاته الرئاسية المحتملة عام 2028، مما يعني أن تعريف النجاح لدى الجانب الأمريكي لا ينفصل عن اعتبارات الشرعية السياسية الداخلية.

ثمة عامل نفسي اجتماعي يتصدّر المشهد ويتجاوز الخلافات التقنية حول الملفات الخلافية، وهو انعدام الثقة البنيوي. وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مفاوضات إسلام آباد بأنها أكثف تواصل بين البلدين منذ 47 عاماً، مشيراً إلى أن المفاوضات وصلت إلى أعتاب مذكرة تفاهم، قبل أن يصطدم الطرفان بـ”المطالب القصوى ونقل الأهداف“. هذا السرد يكشف عن ظاهرة نفسية موصوفة في أدبيات التفاوض تُعرف بـ”الخيانة المُتوقَّعة”: حين تتراكم الجروح التاريخية يُصبح الشكّ رداً انعكاسياً يسبق أيَّ تقييم موضوعي، ويُصبح مجرد الاستمرار في التفاوض في هذا السياق إنجازاً قائماً بذاته.

تكشف هذه الحالة أن قياس النجاح في المفاوضات الدولية المعقدة لا يحتمل الثنائيات الصارمة. قالت إيران إن الطرفين “توصّلا إلى تفاهمات في عدد من المسائل، غير أن المحادثات لم تُفضِ في نهاية المطاف إلى اتفاق”. وهو توصيف مغاير جوهرياً لما صرّح به الجانب الأمريكي. هذا التباين في الروايات ليس مجرد تناقض دبلوماسي، بل هو تعبير صادق عن منظومتين مختلفتين لقياس النجاح، كلٌّ منهما تعكس هوية مجتمعية وتاريخاً نفسياً مغايراً. وهنا يكمن الدرس الأعمق: لا يمكن تقييم نجاح أي تفاوض دون فهم المعيار الذي يُقيس به كل طرف نجاحه هو، لا النجاح الذي يتصوّره الطرف المقابل أو يُمليه عليه.

 

One Comment on “النجاح مفهوم نسبي في سياق التفاوض،- تحليل نفسیإجتماعی- د. عبدالباقي مایی”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *