قبل أن نصل إلى مؤتمر القامشلي في نيسان 2025 ،
يجب أن نكون صريحين :
هذا اللقاء لم يكن بداية شيء ، بل استمرار لشيء قديم جداً — الفشل المنظّم .
منذ اتفاقات أربيل ودهوك ،
والمشهد يتكرر :
اجتماعات ، بيانات ، صور جماعية…
ثم لا شيء .
لماذا ؟
لأن المشكلة ليست في التفاصيل ،
بل في البنية نفسها .
في القامشلي ، اجتمع طرفان يعرفان بعضهما جيداً :
طرف يملك السلطة وأغلبية الحضور على الأرض ،
وطرف يعتمد على امتدادات خارجية لا تمنحه بالضرورة قدرة قرار ، بقدر ما تضعه في موقع انتظار دائم لمعادلات لا يصنعها .
كل طرف جاء وهو مقتنع أنه “الأصل”،
وأن الآخر يجب أن يلتحق به ، لا أن يشاركه .
لهذا ، لم يكن المؤتمر بقناعتي بحثاً عن حل،
بل اختبار نوايا… انتهى بسرعة .
قيل يومها : وحدة الصف .
لكن أي وحدة ؟
وحدة تحت أي سقف ؟
وبأي ثمن ؟
هذه الأسئلة لم تُطرح بجدية ،
لأن طرحها يعني الدخول في المشكلة الحقيقية : بكل تجرد /تقاسم السلطة/ .
وهنا يبدأ الانهيار دائماً .
الإدارة الذاتية ، عملياً لم تُظهر استعداداً لتغيير جوهر السلطة .
الخطاب مرن ، نعم ،
لكن الأرض بقيت كما هي :
قرار واحد ، إدارة واحدة ، عقل واحد ووحي من سماء الدنيا وجبالها لا يتبدل ولا يتغير .
في المقابل ،
ورغم اختلاف الموقع والأدوات ،
لم يتصرف الطرف الآخر كجهة مستعدة للدخول في تسوية صعبة ،
بل كطرف ينتظر ضمانات كاملة… قبل أن يخطو خطوة واحدة وبالأصل تخطوا مع كل أسف بمساعدة ومساندة العكاز او السنادة ؛
النتيجة ؟
طرف لا يريد أن يشارك ،
وطرف لا يريد أن يغامر .
وبينهما ،
مجتمع كامل يُطلب منه أن يصفّق وتنهمر دموعه مع التصفيق .
الإعلام لعب دوره المعتاد :
ضخّ الحدث حتى بدا كأنه لحظة تاريخية ،
ثم اختفى .
لا متابعة ،
لا محاسبة ،
ولا حتى سؤال بسيط :
ماذا نُفّذ من كل ما قيل ؟
الإجابة واضحة ومحرجة:
يمكن كتابته بالخط العريط ، لا شيء يُذكر .
ملف المعتقلين ؟ بقي مفتوحاً .
عودة العمل السياسي ؟
بقيت محدودة أو شكلية .
المرجعية المشتركة ؟ مجرد عنوان مطاط .
حتى الاجتماعات اللاحقة ،
كانت أقرب إلى “رفع عتب” منها إلى مسار سياسي .
لكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط هو تبسيط مريح… وغير صحيح .
المشكلة أعمق :
هناك ذهنية كاملة تدير هذا الملف ،
ذهنية ترى السياسة كملكية خاصة ، لا كمسؤولية عامة .
أحزاب تُدار بعقل أمني أو عائلي ،
وقواعد تُربّى على الولاء ، لا على السؤال .
وكل من يطرح سؤالاً بسيطاً :
“ لماذا فشلتم ؟”
يُتهم فوراً بأنه …. الجواب اُبقيه للقُراء
الحقيقة أبسط وأقسى :
الفشل هنا محلي الصنع ،
حتى لو كانت له رعاة خارجيون .
نعم ، هناك تدخلات إقليمية ،
لكن هذه التدخلات ما كانت لتنجح
لو لم تجد بيئة جاهزة داخل هذه الأحزاب .
المشكلة ليست فقط في “الضغوط الخارجية”،
بل في قابلية الداخل للتكيّف معها .
الشارع الكردي ،
الناس لم تعد تنتظر كثيراً .
تسمع نفس الكلمات منذ سنوات :
وحدة ، شراكة ، مرحلة حساسة .
لكن حياتها اليومية تقول شيئاً آخر :
بطالة ، هجرة ، خوف ،
وانسداد أفق .
وهنا المفارقة :
القضية الكردية تُطرح كقضية كبرى ،
لكن إدارتها تتم بعقلية حزبية ،
ليس المطلوب معجزات ،
بل خطوات واضحة :
شراكة حقيقية ،
إدارة متعددة ،
قرار مشترك .
لكن حتى هذه “البديهيات” تبدو مستحيلة ،
لأنها تصطدم بمصالح ضيقة وضيقة جداً .
السؤال لم يعد سياسياً فقط ،
بل أخلاقي :
كم مرة يمكن إعادة نفس الفشل
قبل أن يتحول إلى نمط دائم ؟
وإلى متى سيبقى الناس
يدفعون ثمن خلافات
لا تُحل … لأنها ببساطة لا تُدار بنية حلها ؟
مؤتمر القامشلي لم يفشل ،
لأنه لم يكن مصمماً لينجح او هكذا أرى !
ولنقل انها كانت محطة أخرى في طريق طويل من إضاعة الوقت .
والوقت هنا ليس تفصيلاً ،
بل هو الشيء الوحيد الذي يخسره الناس… كل يوم .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

