ليست الفروسية مجرد رياضة تقوم على امتطاء صهوة الجواد والتحكم بحركته ، بل هي إرث حضاري وثقافي ارتبط عبر التاريخ بالشجاعة والكرامة والمهارة والانضباط . وفي الذاكرة الكوردية ، تحتل الخيول والفرسان مكانة بارزة ، إذ ارتبطت الفروسية بحياة الإنسان الكوردي ، وبالبيئة الجبلية ، والتقاليد الاجتماعية ، ومظاهر القوة والدفاع عن الأرض والهوية .
حين يتحول الإرث التاريخي الى مسؤولية رياضية
كيف يمكن تحويل هذا الإرث التاريخي العريق إلى إنجاز رياضي مؤسسي ، يضع الفروسية الكوردية على خريطة المنافسات الآسيوية والأولمبية ؟ .
فبينما تطورت رياضة الفروسية عالميًا ، وأصبحت لها اتحادات متخصصة وأندية ومرافق تدريبية ومعايير دولية واضحة ، لا يزال حضور الفروسية الكوردية في المحافل الرياضية الكبرى بحاجة إلى اهتمام مؤسسي وتخطيط طويل الأمد . ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند تاريخ الفروسية لدى الكورد ، وتشخيص واقعها الراهن ، وطرح خطوات عملية للنهوض بها .
الفروسية في الذاكرة التاريخية للكورد
اهتمّ الكورد منذ عصور قديمة بتربية الخيول وترويضها ، وبالمهارات المرتبطة بركوبها ، والسرعة ، والمنافسات الفروسية . وقد ساعدت الطبيعة الجغرافية المتنوعة لكوردستان ، بما فيها الجبال والسهول والوديان والمراعي والأراضي الزراعية ، على ارتباط الإنسان بالخيول واستخدامها في مجالات متعددة من الحياة .
كما أسهمت الظروف المناخية المتنوعة ، إلى جانب أنماط الحياة الريفية والعشائرية ، في ترسيخ مهارات التحمل والقدرة البدنية والاعتماد على النفس. وكانت الفروسية ، في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة ، جزءًا من منظومة القيم المرتبطة بالشجاعة والنجدة والكرامة وحماية الجماعة ومن المهم ، عند تناول هذه الجوانب التاريخية ، التمييز بين ما تثبته المصادر الأثرية والتاريخية الموثوقة ، وبين الروايات الثقافية التي تحتاج إلى مزيد من التوثيق والمقارنة العلمية .
حضور الخيل في تاريخ المنطقة
تشير الدراسات التاريخية إلى أهمية الخيول والعربات الحربية في حضارات الشرق الأدنى القديم ، ومنها الحضارات التي نشأت في مناطق بلاد الرافدين والأناضول وغرب آسيا. وقد ارتبطت الخيول بالقوة العسكرية والتنقل والمكانة الاجتماعية ، وشكلت عنصرًا مهمًا في تطور أساليب الحرب والقيادة .
ويرد في بعض الكتابات التاريخية ربط بين الكاشيين والخوريين والميديين وبين تقاليد الفروسية وتربية الخيول . كما تتناول روايات تاريخية مختلفة شهرة الخيول الميدية وأهميتها الاقتصادية والعسكرية ، ودور سلاح الفرسان في الصراعات الإقليمية القديمة .
وتستحق هذه الموضوعات دراسة علمية دقيقة تستند إلى المصادر الأصلية والأبحاث الأثرية والتاريخية المتخصصة ، خصوصًا عند الحديث عن الأصول الإثنية والروابط المباشرة بين شعوب العصور القديمة والشعوب المعاصرة .
ومهما اختلفت التفسيرات التاريخية ، فإن المؤكد أن الخيل والفروسية كانا عنصرين مهمين في تاريخ المجتمعات القديمة في المنطقة ، وأن دراسة هذا التراث يمكن أن تسهم في فهم أعمق للعلاقة بين الإنسان والخيول في كوردستان .
الفروسية.. شجاعة ومهارة وقيم اجتماعية
لم تكن الفروسية لدى المجتمعات الكوردية مقتصرة على الاستخدام العملي للخيول ، بل ارتبطت أيضًا بمناسبات اجتماعية واحتفالية ، مثل الأعياد والأعراس والتجمعات الشعبية . وفي مثل هذه المناسبات، كانت مهارات ركوب الخيل وإظهار القدرة على التحكم بالجواد والسرعة والمناورة تمثل مظاهر للتنافس والتقدير الاجتماعي .
كما ارتبط الفارس في المخيال الشعبي بصفات الشجاعة والوفاء والكرامة والقدرة على تحمل الصعاب. وتناولت بعض كتابات الرحالة والمؤرخين أوصافًا للفروسية لدى الكورد ، إلا أن هذه الشهادات ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي والثقافي ، ومقارنتها بالمصادر الأخرى لتحديد مدى دقتها وحدودها .
إن استعادة هذه القيم اليوم لا تعني الاكتفاء بالاعتزاز بالماضي ، بل تستوجب توجيهها نحو الرياضة الحديثة ، التي تقوم على التدريب العلمي ، والالتزام بالقواعد ، واحترام المنافس ، ورعاية الخيل ، والروح الرياضية .
الفروسية في الألعاب الأولمبية والآسيوية
تطورت الفروسية الحديثة لتصبح رياضة دولية منظمة ، تتطلب بنية تحتية متخصصة ، ومدربين مؤهلين ، وفرسانًا يمتلكون المهارات الفنية والبدنية ، إلى جانب رعاية صحية وبيطرية متقدمة للخيول .
وقد ظهرت منافسات الفروسية ضمن البرنامج الأولمبي في دورة باريس عام 1900، ثم عادت إلى البرنامج في دورة ستوكهولم عام 1912. وتشمل التخصصات الأولمبية الأساسية : 1 – الترويض : يركز على الانسجام بين الفارس و الجواد والدقة في تنفيذ الحركات 2 – قفز الحواجز : يقوم على اجتياز الحواجز وفق قواعد محدد ، مع مراعاة الزمن . 3 – المسابقة المتكاملة : تجمع بين الترويض ، و القفز عبر الموانع ، وقفز الحواجز
وتشارك النساء و الرجال في المنافسات الأولمبية للفروسية ضمن نظام رياضي يتيح التنافس وفق القواعد الفنية المعتمدة ، وتشرف على الرياضة الذي يضع الأطر التنظيمية و الفنية للمنافسات ( الاتحاد الدولي للفروسية ) .
أما على المستوى الآسيوي ، فقد أُدرجت منافسات الفروسية ضمن برنامج الألعاب الآسيوية في دورة نيودلهي عام 1982، وفق ما هو وارد في السجلات الرياضية . وشهدت رياضة الفروسية في عدد من الدول الآسيوية تطورًا في مستوى التنظيم والتدريب والمشاركة الدولية .
وقد حققت دول عدة ، ومنها بعض دول الخليج ، حضورًا في منافسات الفروسية الآسيوية والدولية ، الأمر الذي يعكس أهمية الاستثمار في الأندية والمرافق والمدربين وبرامج إعداد الفرسان .
غياب الفروسية الكوردية عن المنافسات الكبرى .. أين تكمن المشكلة ؟
بالانتقال إلى الواقع الكوردي ، نجد أن الخيول لا تزال حاضرة في بعض المناطق والمجتمعات ، كما توجد إسطبلات ومبادرات فردية واهتمام شعبي بتربية الخيول وركوبها . إلا أن هذا الاهتمام لا يكفي وحده لبناء رياضة فروسية قادرة على المنافسة في البطولات القارية والأولمبية .
إن المشاركة الدولية تتطلب منظومة متكاملة تشمل :
اولا – انشاء اندية فروسية متخصصة تتوف فيها شروط التدريب و السلامة .
ثانيا – تأسيس ميادين وفق المعايير الدولية الخاصة بالترويض وقفز الحواجز و المسابقة المتكاملة . .
ثالثا – اعداد الفرسان والفرسات الناشئين من خلال برامج علمية وتدريبية منتظمة .
رابعا – تاهيل المدربين والحكام والفنيين بالتعاون مع المؤسسات و الاتحادات المتخصصة .
خامسا – العناية البيطرية بالخيول وتوفير برامج تغذية و رعاية وتدريب مناسبة .
سادسا – بناء اتحاد او منظومة تنظيمية فعالة تتولى وضع الخطط وتنسيق المشاركات وتطوير المواهب .
سابعا – توفير التمويل والدعم المؤسسي من الجهات الحكومية و القطاع الخاص والجهات الرياضية المعينة .
ولا ينبغي أن يُفهم الغياب عن البطولات الكبرى بوصفه نتيجة لافتقار الشباب إلى الموهبة أو الحماس ، بل يجب التعامل معه بوصفه موضوعًا يستحق دراسة واقع الرياضة ، وتحديد العوائق الإدارية والمالية والفنية ، ووضع حلول قابلة للتنفيذ .
كوردستان وإمكانات بناء مستقبل للفروسية
تملك كوردستان مقومات يمكن أن تساعد في تطوير رياضة الفروسية ، من حيث تنوع الطبيعة ، ووجود مساحات مناسبة في بعض المناطق ، واهتمام فئات اجتماعية مختلفة بالخيول . غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج رياضية يتطلب تخطيطًا واقعيًا وتدرجًا في التنفيذ .
ومن الضروري أن تتعاون حكومة إقليم كوردستان ، والجهات الرياضية المختصة ، والقطاع الخاص ، وأصحاب الإسطبلات والمبادرات الفردية ، من أجل تأسيس بنية تحتية مستدامة لرياضة الفروسية
وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح إطلاق مشروع وطني أو إقليمي يحمل اسم ( بطولة كوردستان للفروسية ) على أن يكون مشروعًا رياضيًا تدريجيًا يراعي الإمكانات المتاحة، ويشجع على اكتشاف المواهب وتنظيم المنافسات، ويضع أسسًا للتواصل مع الاتحادات الإقليمية والدولية المعنية .
كما ينبغي الاهتمام بمشاركة الشابات والشباب على حد سواء ، وتوفير بيئة تدريبية آمنة ومهنية ، وتقديم الدعم للفرسان المتميزين ، بما يساعد على الانتقال من الممارسة الشعبية إلى المنافسة الرياضية المنظمة .
الإعلام ودوره في نشر ثقافة الفروسية
لا يقتصر تطوير رياضة الفروسية على بناء المرافق وتوفير التمويل ، بل يتطلب أيضًا دورًا إعلاميًا وتثقيفيًا مستمرًا. فالإعلام الكوردستاني ، ولا سيما القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية والصحف الرياضية ، يستطيع أن يسهم في التعريف بالفروسية الحديثة ، وإبراز المواهب ، ونشر ثقافة العناية بالخيول ، وتسليط الضوء على البطولات والبرامج التدريبية .
كما يمكن تنظيم حملات توعوية تستهدف المدارس والجامعات والشباب ، لتعريفهم برياضة الفروسية وتخصصاتها ، وبالفرص التعليمية والرياضية والمهنية المرتبطة بها .
إن حضور الفروسية في الإعلام لا ينبغي أن يقتصر على المناسبات الاحتفالية ، بل يجب أن يكون جزءًا من مشروع مستمر لبناء جمهور رياضي ، وتحفيز الرعاية والاستثمار، وإيجاد بيئة اجتماعية داعمة للفرسان والأندية .
من الاعتزاز بالماضي إلى صناعة الإنجاز
إن تاريخ الفروسية في كوردستان، وما ارتبط به من قيم ومهارات وتقاليد ، يمثل رصيدًا ثقافيًا يمكن الاستفادة منه في بناء مستقبل رياضي أكثر تنظيمًا وطموحًا. غير أن التاريخ وحده لا يصنع الميداليات ، والاعتزاز بالموروث لا يغني عن التدريب العلمي ، والمؤسسات المتخصصة ، والدعم المستمر .
ومن هنا ، فإن النهوض بالفروسية الكوردية يستدعي الانتقال من الحديث عن أمجاد الفرسان إلى صناعة فرسان جدد ، ومن الإسطبلات المتفرقة إلى الأندية المؤهلة ، ومن المبادرات الفردية إلى الخطط الرياضية الواضحة .. فهل آن الأوان لكي تتحول كوردستان من أرض ذات إرث فروسي عريق إلى أرض تُخرّج فرسانًا ينافسون في البطولات الآسيوية والأولمبية ؟
إن تحقيق هذا الطموح يتطلب إرادة مؤسسية ، واستثمارًا طويل الأمد ، وتعاونًا بين الجهات الحكومية والرياضية والمجتمعية. وإذا توافرت الرؤية والتخطيط والدعم ، فإن الطريق نحو حضور كوردي أكثر تنظيمًا في رياضة الفروسية الدولية يمكن أن يبدأ بخطوات عملية واضحة ، يكون فيها الشباب والرياضة والهوية الثقافية شركاء في صناعة المستقبل .
الفروسية ليست مجرد ذاكرة من الماضي ، بل فرصة لبناء إنجاز رياضي جديد يستحق أن تعمل من أجله كوردستان

