محمد الكحط – ستوكهولم-
ولدت الفنانة التشكيلية أشنا أحمد دولت في بغداد سنة 1969، في بيت سياسي سري لعائلة سياسية، وعادت عائلتها إلى مكانها الأصلي في السليمانية وعمرها ثلاث سنوات، دخلت مدرسة “روناكي” الابتدائية في السليمانية وهي صغيرة السن، حينها شخصت إحدى معلماتها قدراتها الفنية، لكن عند انتقالها إلى متوسطة “آشتي”، كانت معلمة الجغرافية تطلب منها رسم خارطة الدول التي سيتم تدريسها من قبلها، وكذلك معلمة العلوم تطلب منها رسم الأجهزة أو المواضيع التي ستتناولها محاضرتها ذلك اليوم، وهذا كان نوعًا من التشجيع لها لتمضي قدمًا بقدراتها الفنية، التي بدأت مع تقليد رسوم ابن خالتها الفنان “هيره ش”، وبعد المتوسطة حالفها الحظ لتُقبل في معهد الفنون الجميلة في السليمانية، برغم صعوبة القبول فيه، حيث يخضع المتقدمون إليه إلى امتحان خاص، وبدأت في المعهد حياة فنية جديدة، وكانت السنوات الخمس مليئة بالدراسة والفن والتعلم والبهجة وسط أجواء طلابية جميلة، كما اشتركت مع قسم الموسيقى كهواية وليس كدراسة، وساهمت في العديد من المعارض السنوية المشتركة، وتستذكر أساتذتها في المعهد باعتزاز منهم، كردو حمه علي، علي جولا، بختيار، هيوا عزيز، خوشي سيروان، وغيرهم.
بعدها عاشت “أشنا” فترة تأمل واسترخاء ذهني، لتبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة العطاء الفني، وتنفيذ ما اكتسبته من خبرة فنية من خلال الدراسة، وما تراكم لديها من خزين فكري وثقافي، ولتمارس العمل كمعلمة لمادة الفن ومواد أخرى لعدم توفر معلمين في رانية، ومن ثم انتقلت إلى السليمانية كمدرسة رسم.
وعن عودتها إلى مدرستها الأولى كمعلمة قالت:
(انتقلت إلى مدرسة “آشتي” التي كنت طالبة فيها لأكون معلمة هناك هذه المرة، وكنت خجولة من معلماتي السابقات، عندما أجلس معهن في غرفة المعلمات. وأقمت معارض مشتركة مع طلابي. وصلت السويد سنة 1994، وفي السويد بدأت مرحلة جديدة في عالم الفن، حيث توفرت الفرصة والأجواء المناسبة، وفي خضم معاناة الغربة والمشاكل الاقتصادية، ولأني كنت أعيش في مدينة سويدية صغيرة، وخلال دراستي اللغة، ولتخفيف هواجس ومعاناة الغربة، بدأت أرسم بكثرة، فرسمت لوحات عدة. وسرعان ما عرفت معلمتي في اللغة السويدية توجهي الفني. رسمت لوحتين، هما “الغجرية الكردية” و”راعي الغنم”، وكانت المفاجأة أن تحدثت المعلمة مع وسائل الإعلام السويدية وأجريت لقاءات معي، كان ذلك عام 1995، وحين أقمت أول معرض شخصي في السويد في “هودسفال”، عرضت فيه حوالي 15 لوحة، نالت إعجاب السويديين وجاء الصحفيون، ليعرفوا أني تناولت العراق وهمومه، فراق الوطن، وحب الأم والأهل والتعلق بهم. هذا ما ساعد على تعييني سنة 1996 كمساعدة لمدرس الفن للمدرسة الفنية، وكانت فترة جيدة لكي أنجز لوحات جديدة، نفذت خمس لوحات لمناظر طبيعية من شباك المدرسة للجزيرة التي تقع فيها المدينة، وقد أعجب المدرس بهذه لكوني فنانة أجنبية رسمت بأسلوبي الخاص الطبيعة السويدية. أقمت بعدها معارض عدة شخصية وجماعية. وعندما تأسست جمعية الفنانين التشكيليين سنة 1999، ساهمت في معظم معارضها السنوية، وأقمت أكبر معرض شخصي لي سنة 2009 في بيت المهندسين في ستوكهولم، عرضت فيه 84 لوحة، وهي مجمل أعمالي من 1995 حتى 2009. كانت تجربة مهمة لي لأعرف قدراتي الذاتية وحجمي كفنانة، وشعرت بعدها بالزهو وازدادت ثقتي بنفسي كثيرًا، لقد أعجب السويديون بلوحاتي وبأسلوب عملي، وبعت خلالها 22 لوحة، ثم أقمت بعض المعارض الأخرى منها في المدينة القديمة “Gamla Stan” وفي “الأنفرو سيتي”، لحين توطدت علاقتي مع منظمة “Tallus Art”، وهي منظمة تدعم الأطفال الفقراء، وساهمت معهم في معرض في السويد ومن ثم تمت دعوتي إلى معرض في الهند سنة 2011. وهناك تعرفت على العديد من الفنانين الكبار وأساليب عملهم، وخصوصًا أن من شروط المساهمة أن ننفذ عملين، أي لوحتين، أمام الجمهور، ويكون ريعها كتبرع للأطفال الفقراء.
من خلال معرض الهند تعرفت على فنانين من الخليج العربي منهم الفنان محمد العتيق من قطر، والفنان زمان والفنانة فاطمة من السعودية، ففكرت في أن نستضيفهم في السويد، وبعد جهود بذلناها أنا وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، وخصوصًا الفنان شاكر بدر، كان معرض “أشرعة نحو الشمال” الذي ضم نخبة من الفنانين الخليجيين في ستوكهولم، كما ساهمت في معرض “حوار اللون” للجمعية، ومعرض افتتاح المركز الثقافي العراقي….”
تتناول أعمال أشنا مواضيع ومضامين عديدة، أولها الإنسان، كما تهتم بقضايا الفولكلور والعادات والتقاليد الكردية، ومن رموزها الفنية المكررة هي الأبواب، فهي متمسكة بالمنزل كونه يعني الاستقرار، والفتحات فهي المجالات وطرق الوصول إلى الهدف.
لقد أصيبت أشنا بمرض في العظام والمفاصل أقعدها فترة طويلة عن مزاولة نشاطها، ولكنها واصلت الدراسة واستطاعت أن تحصل على شهادة الهندسة المدنية. وبعد سنوات من العلاجات المستمرة تشافت وعادت لوضعها الطبيعي مع إصرارها على التشبث بالحياة والإبداع.
رسالة الفنانة أشنا هي: “على الإنسان ألا ييأس مهما تعرض لظروفٍ قاسية، عليه الصبر والتحمل والكفاح”، وكلمتها هذه موجهة للجميع وخاصة للنساء، لقد تنقلت أشنا من بيت لآخر عدة مرات، فالبيت والسقف هما الأمان والاستقرار لكل إنسان، ومغادرة المكان والانتقال لآخر يولد المعاناة للفنانة أشنا، فكم من مرة اضطرت العائلة إلى ترك منزلها لتنتقل لمكان آخر بسبب سياسات النظام الدكتاتوري السابق.
أشنا، تنشط في عدة مجالات منها جمعية الفن للأطفال، وأقامت عدة معارض شخصية في أربيل والسليمانية، وكانت مواضيعها خاصة ببيئة كردستان وفولكلورها وطبيعتها، فنشاهد اللمسة الكردستانية واضحة على هذه اللوحات وهيأت أعمالًا خاصة لعدة معارض، وبيتها يعج باللوحات، وهي بأحجام كبيرة ومتوسطة، الفنانة أشنا لا تحب التقيد بأسلوب خاص أو معين في الرسم، ولا ترسم لفئة اجتماعية واحدة، بل للجميع، وطموحاتها ليست لها حدود.
مؤخرًا شاركت أشنا مع نخبة نسوية من جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في السويد، ضمّت الفنانات: أشنا دولت، آسيا آغا، لانا كوردي، وهبة سعدون في معرض تشكيلي عراقي – سويدي في المخيم الفني الدولي (Art Camp 2026) بألمانيا، حيث نظّمت وزارة الثقافة الألمانية، ممثلةً بقسم «كلتور هوست» في مدينة كريفيلد، السمبوزيوم الدولي (Art Camp 2026)، وهو مخيم فني أُقيم خلال الفترة من 22 إلى 29 أغسطس 2026، بمشاركة فنانين من مختلف دول العالم، تضمنت الفعالية ثمانية أيام من الرسم المباشر والعمل الإبداعي، واختُتمت بمعرض فني ضم عملًا لكل فنان مشارك. وفي تميز لافت، اختيرت لوحة للفنانة هبة سعدون من بين 35 عملًا فنيًا، لتكون ضمن أفضل خمسة أعمال خُصصت للحوار والنقاش الفني المفتوح حول التقنيات والدلالات والرموز اللونية. وهدف هذه المشاركة هو تعزيز التواصل الثقافي الدولي وإبراز الإبداع النسوي العراقي في المحافل العالمية.

