حكم العشيرة والقومية الإقصائية والطائفية وهيمنة العسكر: عوامل تعثّر التنمية وتفاقم الصراعات في الدول التي تُعرّف نفسها بأنها عربية. أحمد موكرياني

 

 

لم تنشأ أزمات دول المنطقة من سبب واحد. فقد تضافرت عوامل داخلية وخارجية، من أبرزها ضعف مؤسسات الدولة والمساءلة، وتقديم الولاء للعائلة، أو العشيرة، أو الحزب، أو القائد العسكري، أو المرجعية الدينية على القانون والكفاءة. وعندما تُوزَّع السلطة والوظائف والموارد وفق هذه الولاءات، يتحول التنافس السياسي من خدمة المواطنين إلى السيطرة على الدولة.

ولا تكمن المشكلة في انتماء الإنسان إلى عشيرة أو قومية أو دين؛ فهذه جوانب من هوية المجتمع. تبدأ المشكلة حين تُستخدم الهوية لإقصاء الآخرين، أو حين يصبح الانتماء شرطًا للحصول على وظيفة أو حماية أو حق. وتشتد الأزمة عندما تتدخل الجيوش والجماعات المسلحة في السياسة، أو تضعف قدرة المؤسسات المدنية على إخضاع السلاح للقانون.

كيف تتعثر التنمية؟

تظهر آثار هذا الخلل في مجالات مترابطة:

  1. الفساد والمحسوبية: منح الوظائف والعقود على أساس القرابة والولاء يُضعف الكفاءة ويهدر المال العام.
  2. احتكار القرار وضعف المحاسبة: يصعب تصحيح السياسات إذا عجز القضاء والإعلام والمؤسسات الرقابية والمواطنون عن مساءلة أصحاب السلطة.
  3. الحروب والسلاح خارج مؤسسات الدولة: تُدمَّر البنية الأساسية، وتهاجر الخبرات، وتُحوَّل الموارد من التعليم والصحة والإنتاج إلى إدارة الأزمات.
  4. الاعتماد على الريع: قد تتيح إيرادات النفط تمويل الخدمات والاستثمار، لكنها قد تُستخدم أيضًا لشراء الولاءات وتوسيع الإنفاق غير المنتج إذا غابت الرقابة والتخطيط. وفي دول أخرى، قد يظهر الخلل في الديون أو الامتيازات المحتكرة.
  5. ضعف التعليم وفرص العمل: لا تكفي الشهادات وحدها ما لم تُبنَ المهارات وتُفتح فرص عمل منتجة للنساء والشباب.

هذه العوامل تُغذّي بعضها بعضًا: ضعف المحاسبة يتيح الفساد، والفساد يُضعف الخدمات والثقة بالدولة، ثم تجعل الحروب والاقتصادات قليلة التنوع معالجةَ الخلل أشد صعوبة.

 

الخليج قبل النفط والغاز:

أولا: أصول العوائل الحاكمة في الخليج:

  • آل الصباح وآل خليفة وآل ثاني كانوا يسكنون في النجد وبسبب الجفاف رحلوا الى مناطقهم الحالية.
  • آل نهيان: أعلن عبد الله بن زايد أن أصولهم من اليمن، وموّل والده الشيخ زايد إعادة بناء سد مأرب، وربط تمويل السد لهذا السبب، وكذلك سيطرتهم على سومطرة من خلال مواليهم من المجلس الانتقالي الجنوبي وكذلك تدخلهم في اليمن.

ثانيا: تجارة الخليج قبل النفط:

  • اعتمدت مجتمعات الخليج على التجارة البحرية واللؤلؤ وصيد الأسماك والرعي والزراعة في المناطق التي تتوافر فيها المياه، وقد تأثرت تجارة اللؤلؤ مع انتشار اللؤلؤ الصناعي.
    • أن فيلم “بس يا بحر”للمخرج الكويتي خالد الصدّيق، الذي عُرض في أوائل السبعينيات، تدور أحداثه في الكويت قبل النفط، ويصوّر حياة الغواصين الباحثين عن اللؤلؤ وأسرهم، وما ارتبط بالبحر من رزق ومخاطر ومشقة، وقد قال المخرج نفسه إنه أراد تصوير كفاح الآباء والأجداد قبل اكتشاف النفط.

 

الحروب والنزاعات بين الدول التي تُعرّف نفسه بانها عربية:

  • 1970–1962 اليمن الشمالي :دعمت مصر الجمهوريين، فيما دعمت السعودية الملكيين خلال الحرب الأهلية.
  • 1963 المغرب والجزائر :اندلعت «حرب الرمال» على خلفية خلافات حدودية.
  • 1969 السعودية واليمن الجنوبي :وقعت اشتباكات حدودية قرب شرورة.
  • 1970 سوريا:  دخلت قوات سورية الأردن خلال أحداث «أيلول الأسود»، ثم انسحبت.
  • 1972 و1979 اليمن الشمالي واليمن الجنوبي : وقع قتال بين الدولتين في مناسبتين، أعقبته مساعٍ لوقفه والتفاوض.
  • 1975–2005سوريا ولبنان:دخلت القوات السورية لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، واستمر وجودها العسكري حتى عام 2005.
  • منذ 1975 الصحراء الغربية  :شاركت موريتانيا في مرحلة من النزاع، ودعمت الجزائر جبهة البوليساريو في مواجهة المغرب. وهو نزاع إقليمي طويل لا يصح اختزاله في حرب مباشرة واحدة بين هذه الدول.
  • 1977 مصر وليبيا :وقعت حرب حدودية قصيرة انتهت بوقف القتال.
  • 1990–1991العراق والكويت: غزا العراق الكويت في 2 أغسطس 1990، وشاركت دول عربية، منها السعودية ومصر وسوريا، في التحالف الذي أخرج القوات العراقية منها.
  • 2001  قطر والبحرين  :أصدرت محكمة العدل الدولية حكمًا بشأن السيادة على مناطق متنازع عليها ورسم الحدود البحرية. وهذا مثال على تسوية قضائية لنزاع، لا على حرب بين البلدين.
  • منذ 2015 اليمن  :تدخل تحالف بقيادة السعودية عسكريًا في الحرب اليمنية دعمًا للحكومة في مواجهة الحوثيين.

 

وتثير هذه الوقائع سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا: كيف أمكن حشد موارد كبيرة لصراعات إقليمية، بينما عجزت الدول نفسها، ولكنها عجزت عن حماية أهلنا في غزة من حملة الإبادة الجماعية التي شنّتها الحكومة الصهيونية بقيادة نتن ياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرة توقيف بحقه لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل يتسارعون بالجهر والخفاء بالتطبيع مع الكيان المحتل لأرض فلسطين.

 

كلمة أخيرة: هل يمكن بناء دول ديمقراطية في الدول التي تعرف نفسها بأنها عربية؟

  • لا توجد صفة ملازمة للثقافة العربية أو للدين تمنع قيام حكم يقوم على المشاركة والمحاسبة.
  • لكن الديمقراطية لا تتحقق بإجراء انتخابات وحدها؛ بل تحتاج إلى مؤسسات تحمي حق المواطنين في اختيار الحاكم، ومساءلته، وتغييره سلميًا.
  • حكم العائلة أو العشيرة هو العائق أمام الدولة الحديثة حين تُدار الدولة كامتداد لها:
    • تُوزَّع المناصب بحسب القرابة، وتُحمى المصالح الخاصة، ويُستثنى أصحاب النفوذ من المحاسبة، عندئذٍ يصعب أن تتقدم الكفاءة والبحث العلمي والصناعة على الولاء.
  • لذلك يتطلب الإصلاح أن يخضع الجيش والأجهزة الأمنية للدستور للسلطة المدنية، وأن يستقل القضاء، ويُطبَّق القانون على الحاكم والمحكوم.
    • حماية حرية الصحافة والتنظيم والمعارضة السلمية، وإجراء انتخابات نزيهة تُقبل نتائجها،
    • الحد من نفوذ المال السياسي والفساد،
    • صون حقوق جميع القوميات والطوائف والأديان.
  • لن يكون الانتقال سهلًا:
    • فمن غير المرجح أن يتخلى من يحتكرون السلطة واللذين يمتلكون الأسلحة خارج السلطة والموارد الاقتصادية التابعة للأحزاب والمليشيات المسلحة عن نفوذهم طوعًا.
    • كما أن الاتهامات بنهب المال العام أو قتل المواطنين تستدعي تحقيقًا مستقلًا ومحاكمة عادلة، لا إفلاتًا من العقاب ولا إدانةً بلا بينة.
    • ويبدأ التغيير بوعي المواطنين بحقوقهم، ومطالبتهم السلمية بالمحاسبة، وبناء مؤسسات تكون فيها المواطنة والقانون أساس الحكم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *