حين تكتب عن الجذور.. ولا تذكر من زرعها – ماهين شيخاني

 

كلمة حق لا انتقاصاً من أحد

 

في البحث العلمي، كما في الحياة، هناك أصول لا يجوز تجاوزها.

ومن هذه الأصول أن من يكتب بعد غيره، عليه أن يذكر من سبقه.

ليس لأنه مجبر، بل لأن الأمانة العلمية هي التي تحفظ للباحثين حقوقهم، وتصون للمعرفة أمانتها.

وأكتب هذه الكلمة، لا انتقاصاً من جهد أحد، ولا تشكيكاً في نوايا أحد، بل إنصافاً لسبق، وتوضيحاً لواجب، وتذكيراً بأصل ربما غفل عنه من جاء لاحقاً.

أولاً: ماذا كتبت.. ومتى؟

في 22 أغسطس 2026، نشرت مقالاً بعنوان:

«كوردستان سوريا عام 1938: حين كتب الوجهاء خوفهم على الورق»

تناولت فيه حركة الحكم الذاتي في الجزيرة العليا، وتحالف الكورد والمسيحيين والعرب في مواجهة المركزية.

لم يكن المقال مجرد سرد تاريخي.

لقد حاولت أن أقرأ الوثائق بعين الأديب، وأن أُحوّل العرائض إلى نص يُقرأ، والأسماء إلى شخصيات، والمطالب إلى صرخة، والتاريخ إلى درس.

قدمت فيه الأسماء، والسياق، والتحليل، والأسئلة التي جعلت من تلك الحركة قضية راهنة، لا مجرد أوراق صفراء من زمن الانتداب.

ثانياً: ماذا نُشر بعدي.. وماذا كان؟

في 28 سبتمبر 2026، نُشر مقال بعنوان:

«حركة الحكم الذاتي في الجزيرة وعصبة الأمم»

للأستاذ سيامند حاجو.

لا شك أن المقال يقدم إضافة مهمة.

لقد قدّم الأرشيف الخام: أكثر من خمسين عريضة وبرقية، أسماء الموقّعين، أرقام الوثائق، الهيكل التنظيمي، تفاصيل لم تكن معروفة من قبل.

هذه إضافة حقيقية، ولا أنكرها.

لكن الإضافة لا تلغي السبق، والتكامل لا يلغي الواجب.

ثالثاً: ما كان يجب أن يُقال

لم أطلب من الأستاذ حاجو أن يكتب عن مقالتي صفحة كاملة.

لم أطلب أن يُثني عليها.

لم أطلب حتى أن يوافقني على كل ما كتبت.

طلبت شيئاً واحداً.. لم يُقل:

جملة واحدة في مقدمة مقاله تقول: “وقد كتب الأستاذ ماهين شيخاني مقالاً قيّماً عن هذه الحركة، وأنا أضيف إلى ما كتبه بالاعتماد على أرشيف عصبة الأمم.”

هذه الجملة لا تنقص من قيمة مقالته.

بل تزيدها، لأنها تُظهر اطّلاعه على الأدبيات السابقة.

وتُظهر أن بحثه يتكامل مع بحثي.

وتُعطي القارئ فرصة للرجوع إلى الأصل.

لكنها لم تُكتب.

وهذا ما أردت أن أنبه إليه.

رابعاً: لماذا هذا مهم؟

ليس هذا ترفاً أكاديمياً.

إنه أساس البحث العلمي.

إنه حفظ لحقوق الباحثين.

إنه ضمان لاستمرارية المعرفة.

من يكتب بعد غيره، عليه أن يعترف بمن سبقه.

ومن يبني على أكتاف غيره، عليه أن يذكر الأكتاف.

ومن ينشر بحثاً في موضوع سبق أن كُتب فيه، عليه أن يشير إلى ما كُتب.

هذا ليس تقليلاً من قيمة أحد،

بل هو إنصاف.

وهذا ليس تشدداً في التوثيق،

بل هو حفظ لحقوق الباحثين.

خامساً: لماذا أكتب هذا الآن؟

لا أكتبه لأشكو.

ولا أكتبه لأتنافس.

ولا أكتبه لأشعل خلافاً.

أكتبه لأن الصمت عن الحق يجعل الباطل يتجذر.

أكتبه لأن الباحثين الجدد يجب أن يتعلموا أن السبق له قيمة.

أكتبه لأن التاريخ لا يُكتب مرة واحدة، لكن الطبقة الأولى تبقى الأساس.

أكتبه لأن من نسي الأساس، بنى على الرمال.

وأكتبه أيضاً لأقول:

أنا لا أطلب منك أن تذكرني دائماً، لكنني أطلب منك ألا تنسى من كتب أولاً.

سادساً: ما لا أقوله

لا أقول إن مقالك ليس جيداً.

لا أقول إن جهدك ليس أصيلاً.

لا أقول إنك لم تبذل جهداً في الأرشيف.

كل هذا لا يصح.

لقد أضفت، وأنا أول من يعترف بذلك.

لكن الإضافة لا تُكتب على أنقاض السبق.

والبناء لا يقوم على رمال النسيان.

 

كلمة أخيرة

أنا لا أكتب هذه الكلمة لأفتح باباً للخلاف.

أكتبها لأغلق باباً للنسيان.

التاريخ لا يُكتب مرة واحدة.

يُكتب مرات.

كل جيل يضيف طبقة.

لكن الطبقة الأولى تبقى الأساس.

وأنا لم أطلب منك أن تذكر الأساس دائماً..

لكنني أطلب منك ألا تنسى أن هناك من بناه قبلك.

ومع ذلك.. يبقى الاحترام قائماً.

ويبقى التقدير لجهدك.

ويبقى الأمل أن تكون هذه الكلمة درساً لنا جميعاً:

أن نكتب.. وأن نذكر من كتب قبلنا.

 

ماهين شيخاني

28 /9/ 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *