{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك: “حيثما ينتهي القانون، يبدأ الطغيان؛ وإذا خُرق القانون لصالح فئة على حساب أخرى، فإن أساس العقد الاجتماعي بأكمله ينهار“.
في عام 2005، شهد العراق تحولاً تاريخياً حين تدفق الملايين من مواطنيه نحو صناديق الاقتراع، ليرسموا بمداد أصابعهم البنفسجية ملامح دستور دائم أُقر بأغلبية ساحقة. لم يكن ذلك التصويت مجرد إجراء انتخابي عابر، بل كان بمنزلة وثيقة تراضي وعقد اجتماعي وأخلاقي جديد، تعهدت فيه الدولة بإنصاف المظلومين وإرساء قيم الشراكة الحقيقية. ومع انسياب مسيرة الحكومات المتعاقبة، وانتظام الدورات الانتخابية التي أفضت إلى تشكيل الكابينات الوزارية وتداول السلطة، بدا المشهد العام يسير في مسار دستوري مستقر، باستثناء مساحة جوهرية واجهت جموداً مزمناً، وهي “المادة 140” المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها.
من يرقب المشهد العراقي بعين المراقب المحايد والمشاهد الحريص على استقرار هذا البلد، يدرك أن المادة 140 ليست مجرد بند قانوني متنازع عليه، بل هي التزام دستوري محكم صُمم ليكون جسراً للعدالة الانتقالية. وقد حسمت المحكمة الاتحادية العليا الجدل القانوني مبكراً، حينSet featured image أكدت أن انتهاء السقف الزمني المقر للمادة لا يسقط شرعيتها ولا يلغي إلزامية تنفيذ مراحلها الثلاث (التطبيع، الإحصاء، والاستفتاء). غير أن واقع الحال يُشير إلى أن هذا النص الصريح قد واجه جداراً من الترحيل من حكومة إلى أخرى، مما أخرجه من سياقه كأداة إنصاف قانونية، ليتحول إلى ملف معلق خاضع للموازنات والمساومات السياسية.
لكن الأرقام والنصوص القانونية ليست وحدها ما يقبع في طيات هذا الملف، إذ إن للمسألة وجهاً إنسانياً واجتماعياً بالغ الحساسية. فالمواطنون في تلك المناطق يعيشون منذ عقود في بيئة من عدم الاستقرار الإداري والأمني، ويدفعون ضريبة يومية جراء النزاعات على ملكية الأراضي والمزارع وغياب الخدمات الأساسية والتنموية نتيجة التنازع على الصلاحيات. إن تأخير حسم هذا الملف أبقى على الجروح المجتمعية مفتوحة، وحرم آلاف العائلات من حقها الطبيعي في الاستقرار والأمان، مما جعل من المادة 140 قضية وجدانية وإنسانية ملحة تمس حياة الفرد، قبل أن تكون مجرد صراع على الحدود الجغرافية.
إن قراءة سياق الأحداث المعاصرة تفيد بأن هذا الانسداد الدستوري المزمن وتراكم الإحباطات وغياب أي أفق للحل، كان الدافع الأساسي الذي جعل إقليم كردستان يذهب في عام 2017 نحو خيار الاستفتاء. ومن زاوية التحليل الهادئ، لم تكن تلك الخطوة سوى صرخة احتجاج سياسية وتعبير عن عمق الأزمة الناتجة عن المماطلة في تنفيذ العهود والمواد الدستورية الملزمة، وشعور المكون الكردي بأن وثيقة الشراكة الوطنية لا تُطبق بإنصاف.
إن وضع النقاط على الحروف اليوم، ومن منظور المصلحة العليا لجميع العراقيين، يتطلب الإدراك بأن استقرار الدولة الموحدة والديمقراطية لا يمكن أن يكتمل إذا ما جرى التعامل مع وثيقتها الدستورية بانتقائية. إن إنصاف المجتمع العراقي عامة، والأكراد خاصة، يبدأ من العودة إلى روح الدستور كحزمة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فالحقوق المؤجلة لا تتلاشى بالتقادم، وترحيل الأزمات الإنسانية والقانونية دون حلول جذرية لا يعني سوى إبقاء الأبواب مشرعة أمام عدم الاستقرار مستقبلاً

