الاديبة بارعة في صياغة الإبداع الروائي الحديث بكل احترافية في الشكل والمضمون , أن يحمل سمة الصدق والمصداقية , في احساس مرهف في القضايا الانسانية في عصرنا اليوم , والتعامل بكل مسؤولية في تسليط الضوء , في الحدث الروائي ليأخذ ابعاد الرمز الدال في المعنى والمغزى , في الطرح والتناول الواقعي الهادف , أن يكشف بواعث العنصرية الكريهة , في بلدان اللجوء , بما يسمى الوطن البديل , وكيف يتم التعامل مع الأجنبي , لذا فأن أحداث السرد له صلة في الوجود والواقع الفعلي , ربما الخيال الفني لعب دوراً في تنسيق وترتيب الأحداث بشكل منسق , على ضفاف اللغة المرهفة في التشويق والمتابعة , تكشف في سردية الحدث الروائي , أبعاد العنصرية في الحقد الأعمى والكراهية على الاجنبي واللاجئ , وما على الشخص المعني في حمل هذه الاحمال الثقيلة , سوى الدفاع عن كرامته الانسانية ان يصمد ويتحدى , حتى لا يسقط ذليلاً ومهاناً , ان يحافظ على إنسانيته من المسخ والتشويه , لأن مظاهر العنصرية الحاقدة , ليس سلوك فردياً منعزلاً , بل هو ظاهرة عامة في المجتمع الغربي , في تعاملهم مع الأجنبي , فكيف يكون الحال مع امرأة طلبت الحماية والحرية في بلد اللجوء , وأكثر فداحة عندما تكون هذه المرأة مصابة بأمراض طبية ونفسية , تتطلب العلاج الملائم , لتخفيف حدة اوجاعها , وان يهدء حالتها النفسية المتدهورة , نحو الضعف والانهاك , لذا وجدت نفسها طريحة المصحة الطبية والنفسية للعلاج , لكنها اصطدمت في واقع غير انساني في التعامل معها من قبل المشرفين على المصحة , ولم تجد العلاج الشافي من اطباء المصحة , تعاملوا معها بعيداً جداً عن مهنة الطب الانسانية , ولم تجد سوى الاهمال والتجاهل والاساءة , بل الاحتقار الانساني , مما يضاعف معاناتها , تعاملوا معها كأنسان غريب أومنبوذ اقتحم المصحة الطبية في بلدهم عنوة , يتطلعون اليها بفضول غريب , لذا شعرت داخل نفسها , بأنها دخلت غابة موحشة , وليس مصحة علاج وتضميد وتخفيف الاوجاع مرضها , فكانت عيون الموظفين والمشرفين تتطلع اليها بفضول غريب , وتلاحقها العيون الجامدة , كأنها زجاج النوافذ , والكاميرات تراقبها من كل الزوايا , كأنها تحصي دقات قلبها , باختصار كل ماهو موجود في المصحة العلاجية بالنسبة لها , ليس هو خدمة تقدم بشكل انساني للجميع , بعيداً عن العرق والقومية واللون والبشرة , لكن تعاملوا معها عبارة عن أنها مجرد رقم مدون في الاضبارة فقط , وجلسات العلاج بدأت عليها ثقيلة ومرهقة , لا تساعدها في تخفيف اوجاعها , وانتظارها لساعات طويلة حتى تدخل في جلسات العلاج , والعلاج هو عبارة عن عمل روتيني فج , مع نظرات التعالي والتجاهل , وشعرت ان هذه الجلسات عبرة عن مضيعة للوقت ومرهقة , مما يزيدها ضعفاً وانهاكاً , كأنها رهينة سجن , وحتى الحبوب العلاجية لا تؤدي الهدف المطلوب , تشعر انها ثقيلة عليها , لذلك تحاول التخلص منها برميها تحت التراب , في جولاتها الصباحية , كجزء من الصمود الصامت والرافض , اما داخل الردهة مع المرضى الاخرين , استقبلوها بالسخط والاحتجاج , كأنها تزاحمهم مكانهم , في اسلوبهم العنصري الحاقد على كل اجنبي , في الحقد والكراهية , ولغتهم العنصرية , تشعر بها كأنها سكاكين تنهش جسدها الضعيف , ولكنها في النهاية تنتفض عليهم في الكلام الموجه لهم , وشعرت ان صمتها يعني في المفهوم العنصري الكريه وعقليته , يعني تخاذلاً واستسلاماً , كرد فعل مضاد , انتفظت من اجل المحافظة على كرامتها وانسايتها في وجه العنصرية الحاقدة . هذه الخطوط العامة للحدث السردي , ورؤيته الفكرية , عبر فصول الرواية ( ثماني عشرة فصلاً / وكل فصل يحمل عنواناً خاصاً ) ,ان الحدث الروائي بتعبير بسيط , هو صراع بين الكرامة والانسانية ومضادها العقل العنصري المنغلق , منْ ينتصر ضد الآخر ؟ .
×× أحداث المتن السردي في الرواية :
الشخصية المحورية ( ندى )متزوجة تركت العراق مع زوجها , نتيجة الاضطهاد السياسي , وأسلوب الارهاب في البطش والتنكيل في تعامل النظام الشمولي مع الشعب , إبان السبعينات والثمانينات القرن الماضي , لم يعد لديهما خيار سوى نافذة الهجرة واللجوء الى المجتمع الغربي . لكنها وجدت الوجه القبيح , وجه العنصرية العمياء , ضد كل ماهو اجنبي , اخذت على عاتقها توفير لقمة العيش والعمل كبائعة بسيطة , تخلت عن طموحها في المواصلة في الدراسة الاكاديمية , مضحية بنفسها من اجل زوجها وعائلتها , في التفرغ للدراسات الأكاديمية والحصول على الشهادة العليا , فكانت تشتغل ساعات طويلة, لكي توفر المال لزوجها , حتى يصل إلى طموحه الأكاديمي , رغم مرضها وضعف جسمها , في الارهاق والانهاك والمرض , لكنها واصلت عملها الشاق , بروح التفاني والتضحية في سبيل زوجها , حتى يحصل على الشهادة العليا , ولكنه حينما حصل على الشهادة الاكاديمية , بدلاً من ان يرد العرفان الجميل والتضحية والوفاء الى زوجته , واجهها بالجحود والانكار , والغدر والخيانة , واعتقد داخل نفسه المغرورة بالتعالي , بأنه من علية القوم , وزوجته من حثالات المجتمع , بائعة بسيطة في متجر ( هذا فيض من التضحية لم يقابل بعرفان يبلُّ صدى روحها , بل اصطدم بجدارٍ صلبٍ من التعالي , اذ راح الاكاديمي المرموق ينسج من خيالات غوايته الفكرية سياجاً يفصله عنها , وبات يرتجف خجلاً من مهنتها كبائعة بسيطة , متناسياً ان لقمة فخره ومداد أبحاثه, لم تكن إلا من عرق جبينها وتيبس أطرافها من عمل المتجر ) ص16 . لم يكن في مقدورها الاستمرار في العلاقة الزوجية , في ظل الغرور ونكران الجميل , سوى ان تطلب الانفصال والطلاق , واستجاب بدمٍ بارد , كأنه كان ينتظر هذه الفرصة الثمينة , لكي يتخلص منها . دخلت المصحة للعلاج من أوجاعها ومرضها الصعب , ناشدة العلاج الطبي , الذي يخفف من أوجاعها ويضمد جراحها من المرض , لكنها لم تجد سوى المعاملة الخشنة , ولم تجد العلاج الملائم , سوى الارهاق النفسي والانتظار للساعات طويلة حتى يسمح لها بالدخول , لتدخل غرفة المعالجة , وجدت المماطلة والتجاهل , وليس تفهم اوجاعها في غرفة المعالجة , اضافة انها وجدت نفسها ملاحقة أو مراقبة , من فضول نظرات الموظفين , عيونهم كأنها زجاج النوافذ , , لم تجد سوى الكاميرات تلاحقها في كل زوايا , كأنها تحصي دقات قلبها , لم تكن في المصحة سوى انها رقم مدون في الاضبارة فقط , والتعامل الروتيني الثقيل في الجلسات العلاجية الثقيلة , التي يغيب عنها التعامل الإنساني , وحتى الحبوب الكيمياوية , لم تكن سوى زيادة هزال جسمها وضعفه , وكانت تأخذ الحبوب وتدفنها تحت التراب , كرد فعل صامت ورافض , وكانت تخشى ان تلتقطها الطيور الجميلة ( – ترى . ماذا لو ابتلعت هذه الطيور الفاتنة تلك العقاقير ؟ هل ستنتشي وتصاب بالسكينة وتغرد بصوتٍ اعلى شجواً ؟ أم انها ستغط في نومٍ عميق لأيام طوال فوق الأغصان ؟ ) ص57 . أما خلال وجودها في الردهة مع المرضى الآخرين , استقبلوها بنظرات مستفزة وحاقدة , تقطر بسموم العنصرية العمياء , في الحقد والكراهية وبرفض وجودها بينهم , في لغتهم العنصرية الجوفاء , والكلام المسموم الموجه لها ( – في مدينتنا صار الاجانب في كل زاوية ومكان , وهذا امر مقيت لا استطيع تقبله أو ابتلاعه ابداً )
( – انهم يثيرون القرف )
( – روائحهم خانقة …….. اشكالهم تبعث على الاشمئزاز ) ص38 ,
( لم اتوقع ابداً ان اجد واحدة منهم تجلس بيننا )
( والدولة تصرف على هؤلاء , من جيوبنا وأموالنا , كل هذا الخراب بسبب السياسة الرعناء )
( وجودهم بيننا هو سبب مرضي وقلقي المزمن….. اذ لا استطيع النوم ملء جفوني وانا اعلم ان واحدة منهم تقاسمنا هذا السقف ) ص42 .
( – رئيسة وزرائنا امرأة ساقطة ومنحطة , هي ومن معها من فتح أبواب البلاد على مصراعيها لهؤلاء اللاجئين , وتسبب بكل هذه الكوارث التي خربت بنيان البلاد ) ص54 . وجدت ( ندى ) نفسها في مناخ مكهرب بالعنصرية وبلغتها المسمومة , وان صمتها لن يجدي نفعاً , بل يعتبرونه ضعف واستسلام , ويتمادون عليها أكثر في استغلال صمتها , فلابد أن تدافع عن كرامتها وانسانيتها , في هذا المناخ الموبؤ بالكراهية والحقد , لابد ان تنتصر لكرامتها وان تصون إنسانيتها , لهذا مزقت صمتها , لذلك اعتدلت في جلستها وانتفضت عليهم , موجهة كلامها اليهم ( – كنت أظن أنكم بفطرتكم فهمتم ما الذي كنت أرمي إليه , وانكم أدركتم ما يعني صمتي , وتحفظي الطويل , أن يعيد أحدكم النظر فيما قاله من حماقات , أو يشعر بأدنى درجات الحرج , حتى لو صاغه في اعتذار عابر , من باب المجاملة الاجتماعية .. ظننت أن واحداً منكم على الأقل سيسأل نفسه في خلوته . ماذا لو كنت أنا الغريب في بلادهم ؟ ) ص48. شعرت بالارتياح الروحي , كأن حملاً ثقيلاً ازاحته عن روحها, وسط الوجوم ودهشة الحاضرين داخل الردهة , لم يتوقعوا هذا الرد وهذا الكلام , الذي وضع العنصرية في دائرة الاتهام , لقد تكلمت بلغة المعاناة من امرأة خمسينية , تكلمت بصراحة , وبحرقة الإنسان المظلوم ( امرأة خمسينية تتكلم بحرقة الإنسان لا يطالب إلا بحقه البديهي في ان يعامل بآدمية , فيما الآخرون يرمقونها بنظرات مستفزة كما لو تجاوزت حدود الدور الهامشي المرسوم لها في سيناريو الحياة )ص48 , وخلال تجوالها الصباحي الى الشاطئ وجلوسها في المقاهي لارتشاف القهوة الصباحية . تعرفت على رجل ( مايك ) بدأ الحديث والحوار بينهما , وعرفت منه سبق وان جرب الزواج , لكنه فشل بعد ذلك , كان متفهماً لدور الإنسان وقيمته وسلوكه المستقيم في المجتمع , وجدت فيه الرأفة والعاطفة الانسانية , فكان التجاذب الروحي بينهما ينمو الى العلاقة المتينة , وجدت فيه راحة روحية من الوحدة والانعزال , فقدت دأبت على عدم الحضور في الاجتماعات التي تعقد في قاعة المصحة , لأنها وجدت فيها مملة وثقيلة , وكموقف رافض بغيابها , لكن مع ( مايك ) انفتحت أساريرها . وتوقد قلبها في انوار الحب , وتكررت اللقاءات الحميمة بينهما , وزاد التعارف أكثر بينهما , وتعمقت العلاقة والارتباط الوثيق بينهما , وجدت بوجوده راحة نفسية وروحية , تجعلها تنسى معاناتها في المصحة , وفي احدى اللقاءات , طلب ( مايك ) ان يزورها في المصحة , وعبر عن رغبته الشديدة بذلك, فرفضت في لسانها لكن قلبها يود ذلك ( – لا يا مايك …. لا ارغب بذلك ) ثم واصلت كلامها ( – لم يبق على انهاء العلاج سوى أسبوع واحد أو اسبوعين على الاكثر …. وبعدها سأكون معك , لذلك ارجوك ان لا تتعب نفسك بعناء الرحلة ) ص100 . ولكن بعد اسبوع اخبرها احد المشرفين على قاعة الاستقبال , بأن هناك رجلاً جاء لزيارتها , وموجود في قاعة الاستقبال مع الزائرين , حضرت نفسها لهذه المفاجئة السعيدة , ودلفت الى داخل القاعة وجدت ( مايك ) ينتظرها هناك , هرعت إليه بحرارة والشوق واحتضنته , وغرقا في القبل الطويلة وسط دهشة وذهول الحاضرين, ثم بعد ذلك , اخرج من جيب معطفه الداخلي , علبة حمراء صغيرة , وركع على قدميه وخاتم الماس يلمع بين يديه , وقال بعاطفة جياشة ( – حبيبتي ندى … هل تقبلينني زوجاً مخلصاً وشريكاً لايامك ؟ رجلاً لا يريد من الدنيا سوى ان يحيا بقربكِ , وان يشيخ ويموت بين ذراعيكِ ؟ ) ص105 . بكت في تلك اللحظة الحرجة بشدة , كأن اطياف الرحمة والخلاص تدوران حولها , وقالت بصوت متهدج ومرتبك , تحاول ان توصل كلمة ( نعم ) الى سمعه , وفي اعماق شعورها ترفرف كالطائر بجناحيه في الفضاء , بأن حلمها وخلاصها من المعاناة , ومن سنوات العجاف الطويلة , اصبح حقيقة تمشي على الارض ( – تحملت كل شيء عاصف هناك …. لانني كنت اريد أن اصل الى هذه اللحظة بالذات …. أن اعيش ما تبقى من عمري كما اريده أنا , لا كما تمليه وتفرضه نوائب الحياة علينا عنوة ) ص129 , وبعد اسبوع حاولت المصحة تعطيل وتأخير خروجها , ليس مع الاخرين الذين سوف يغادرون المصحة , ولكن اصرارها وعنادها , ان تخرج مثل الاخرين , وفي الاخير رضخت المصحة الى طلبها وخرجت مع الاخرين , رغم ان اسمها كان آخر الاسماء , ركبت الحافلة لتنطلق الى ( مايك ) الذي ينتظر باحر من الجمر , وحين وصلت اليه , زغرد بفرح وبهجة ( – واخيراً … اخيراً أنتِ بين يدي …. معي .. اجل معي , وفي حماي ) ص127 , وترد عليه بلهفة حارة ( – اخيراً يا حبيبي …. أنا معك ولن يحتجب فجرنا ) . ونطلقا الى رحلة الحرية والسعادة , بعد صبر عسير , وفي الاخير هلهت بالانتصار .

