ليست المشكلة في أن تغادر قوة أجنبية العراق ؛ فسيادة الدول مبدأ لا خلاف عليه ، والمفترض أن تكون مسؤولية حماية العراق والعراقيين بيد مؤسسات الدولة .
لكن المشكلة تبدأ عندما يحدث الانسحاب في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب ، بينما لا تكون البدائل الدفاعية قد اكتملت ، ولا تكون السماء محمية بما يكفي لردع الصواريخ والطائرات المسيّرة .
وهنا تحديداً يصبح القلق في إقليم كردستان مفهوماً ، بل مشروعاً .
في 27 أيلول أعلنت وزارة البيشمركة أن القوات الأميركية وقوات التحالف ستغادر الأراضي العراقية ، بما فيها إقليم كردستان، في 30 أيلول ، مؤكدة أن مغادرة الإقليم من دون توفير منظومة دفاعية «أمر يبعث على القلق»، مع التشديد على أن حماية المجال الجوي للإقليم، باعتباره جزءاً من المجال الجوي العراقي، تقع ضمن مسؤولية الحكومة الاتحادية .
لكن السؤال الذي لا ينبغي أن نضعه تحت السجادة هو : ماذا سيحدث في اليوم التالي ؟
فالإقليم لا يعيش في فراغ أمني نظري. تنظيم داعش لم يختفِ من المشهد العراقي، وتقارير حديثة حذرت من أن مرحلة الانسحاب قد تمنح خلاياه فرصة لإعادة تنظيم نفسها واستغلال أي ثغرة أمنية .
وهناك خطر آخر أكثر تعقيداً : الهجمات القادمة من خارج الحدود. فقد تعرض إقليم كردستان خلال الأشهر الماضية لسلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما قالت وزارة البيشمركة إن أكثر من ألف هجوم من هذا النوع طال الإقليم خلال المواجهات الأميركية ـ الإيرانية الأخيرة، وأصاب بعضها مناطق مدنية وأوقع ضحايا وأضراراً مادية .
وهنا لا بد من التمييز بين خطر الإرهاب المسلح وخطر الهجمات التي تنفذها دول أو جهات مرتبطة بها. الأول يمكن مواجهته بالعمل الاستخباري والعسكري ، أما الثاني فيضع الدولة أمام سؤال السيادة والردع والعلاقات الإقليمية .
وليس هذا القلق وليد التوقعات . ففي آذار الماضي تعرض الإقليم لهجوم صاروخي إيراني استهدف مقراً لقوات البيشمركة في سوران، وأسفر عن قتلى وجرحى ، ما دفع رئاسة الإقليم إلى مطالبة بغداد والمجتمع الدولي بمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات .
المفارقة أن الولايات المتحدة تغادر في الوقت الذي تقول فيه حكومة الإقليم إن السماء الكردستانية ستبقى من دون منظومة دفاعية كافية، فيما تشير تقارير إلى إزالة منظومات باتريوت من محيط أربيل قبل اكتمال الانسحاب ، الأمر الذي يزيد حساسية السؤال حول من يملك القدرة العملية على حماية الأجواء، لا المسؤولية القانونية عنها فقط .
وهنا يجب أن تتجه الأنظار إلى بغداد .
إذا كانت حماية أجواء إقليم كردستان مسؤولية اتحادية ، فالمطلوب ليس إعلان المسؤولية فقط ، وإنما ترجمتها إلى قدرة فعلية :
رادارات، دفاعات جوية، إنذار مبكر ، وتنسيق استخباري يحمي المدن والمنشآت الحيوية . فالمسؤولية من دون أدوات ليست حماية ، والقانون الذي لا تسانده القدرة يبقى عاجزاً أمام صاروخ أو مسيّرة .
وفي المقابل ، لا يجوز أن يتحول القلق الكردي إلى انتظار دائم للحماية الخارجية. فقد أُعلن في 21 أيلول توحيد قوات البيشمركة ، مع التأكيد أن القوة الموحدة جزء من منظومة الدفاع العراقية، وأن تعزيز التنسيق بينها وبين الجيش العراقي يخدم أمن الإقليم والعراق معاً. إنها خطوة مهمة، لكن المطلوب قوة حديثة ومنضبطة ومجهزة ضمن منظومة دفاعية عراقية واضحة .
أما إيران ، فإذا كانت لديها مخاوف أمنية من جماعات أو مواقع داخل الإقليم، فهناك قنوات سياسية ودبلوماسية وقانونية لمعالجة تلك الملفات. أما تحويل السماء والأرض الكردستانية إلى مساحة للضربات الصاروخية والمسيّرات، فيبقى مسألة تمس سيادة العراق وأمن المدنيين، وتحتاج إلى موقف عراقي واضح .
والتجربة العراقية نفسها تقدم درساً لا ينبغي تجاهله. فالانسحاب الأميركي عام 2011 أعقبه ، بعد سنوات قليلة، صعود تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من العراق، ما استدعى عودة الدعم العسكري الدولي. صحيح أن عراق اليوم ليس عراق 2014، لكن التحذيرات الأمنية من استغلال الفراغ لا تزال قائمة .
كما أن حماية الإقليم ليست مسؤولية أربيل وحدها. فإذا كان العراق يريد فعلاً إنهاء الاعتماد الأمني على القوات الأجنبية، فعليه أن يثبت أن البديل ليس الفراغ، بل دولة قادرة على الدفاع عن نفسها عبر تنسيق حقيقي بين بغداد وأربيل .
ومن نافذتي أرى أن الانسحاب الأميركي ليس نهاية المشكلة ، بل بداية اختبار جديد :
اختبار لقدرة بغداد على حماية كل الأراضي العراقية، واختبار لقدرة أربيل على تطوير دفاعها وأمنها الداخلي، واختبار لقدرة العراق على أن يكون دولة ذات قرار أمني واحد، لا ساحة تتقاطع فيها قرارات الآخرين .
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفراغ الأمني لا يبقى فارغاً طويلاً؛ هناك دائماً من يحاول ملأه. والسؤال الحقيقي ليس: لماذا غادرت أميركا؟ بل: من يملأ الفراغ بعدها، وبأي أدوات، وتحت أي قرار ؟
كردستان لا تطلب حرباً ،
ولا تحتاج إلى مغامرة .
ما تحتاجه هو سماء محمية ، وأرض آمنة ، وقرار عراقي واضح ، وقوات بيشمركة قوية ومنظمة ، وعلاقات إقليمية تقوم على احترام السيادة .
فالقلق مشروع ، لكن القلق وحده لا يحمي السماء . والسيادة لا تعني أن نغلق الباب أمام العالم ، بل أن نمتلك القدرة على حماية البيت عندما يغادر الضيف .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

