لا يدٌ واحدة تحرّكهما.. لكن الثمن واحد- بقلم: صبيح الكعبي

في الأول من أكتوبر، شيّع أهالي حي اليرموك في غزة 105 جثامين انتُشلت من تحت ركام مبانٍ سكنية دمّرتها غارات إسرائيلية قبل نحو ثلاث سنوات، بحسب تقارير صحفية. وتزامنًا مع ذلك، أفادت وكالة «سبأ» الحكومية بمقتل ثلاثة أطفال، بينهم رضيع، في قصف حوثي على مأرب. مشهدان متباعدان جغرافيًا، يغري تشابهُهما المأساوي بالبحث عن يد واحدة تحرّكهما؛ فهل من خيط خفيّ يجمع غزة باليمن؟

الجواب، في تقديري، أن لا مخططًا واحدًا يجمعهما، بل مصالح متفرقة وحرب كبرى فوقها، يرى فيها كل طرف ما يخدم معركته، فتتقاطع الخيوط دون أن يمسك بزمامها طرف واحد.

ومن أوضح هذه الخيوط «المسار الإيراني»؛ إذ عاد الحوثيون إلى مهاجمة إسرائيل، في حين ضربت إيران قاعدة «الأمير سلطان» في السعودية، التي تستضيف طائرات تدعم العمليات ضد طهران، بحسب مجلة «إير آند سبيس فورسز». ومع ذلك، يظل هذا الارتباط مرنًا؛ إذ تشير تحليلات متعددة إلى أن الحوثيين يتحركون وفق حساباتهم ومصالحهم الخاصة، مع احتفاظهم بهامش من الاستقلال عن القرار الإيراني.

وهنا تتباين حسابات الأطراف؛ فالسعودية تدافع عن منشآت الطاقة وممراتها البحرية، بعد هجمات حوثية طالت ناقلات ومنشآت نفطية. وفي المقابل، وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها على غزة ليشمل نحو 64% من القطاع، وفق تقارير صحفية، في سياق الضغوط المرتبطة بنزع سلاح حماس؛ بينما يرى منتقدون أن ذلك يفرض واقعًا ميدانيًا دائمًا. وفي خضم ذلك، يركب الحوثيون موجة التصعيد، مستثمرين موقعهم الجغرافي لانتزاع مكاسب سياسية وتفاوضية.

وفي هجير هذه الحسابات، يتطابق الثمن الإنساني؛ فقد تجاوز عدد قتلى غزة 74 ألفًا، فيما تجاوز عدد النازحين في اليمن 158 ألفًا، وسقط مئات القتلى منذ أغسطس، وفق تقارير أممية ورسمية.

وتأسيسًا على ذلك، يتطلب الحل أولًا فصل المسارات، لئلا تظل غزة واليمن رهينتين لمفاوضات طهران. وثانيًا، ترتيبًا متزامنًا برعاية مستقلة، يربط إعادة إعمار غزة بإنهاء الاحتلال ونزع السلاح. وثالثًا، فرض حدٍّ أدنى من حماية المدنيين، بمعزل عن مسارات التفاوض وحساباته.

أما المآل الأرجح، فهو تجميدٌ مُدار للنزاع، ينذر بانهيار التهدئة وتجدد خطر باب المندب، ما لم تتوافر إرادة حقيقية لتسويات متدرجة.

وختامًا، فإن من يفتّش في الركام عن مؤامرة، قد يفوته الأخطر: «المسؤولية الغائبة». فحين تتشابك الخيوط بلا ضابط، يُطمس الجناة، ويبقى الضحايا بلا مقعد على طاولات التفاوض، وبلا من يُساءل عن دمائهم المسفوكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *