اليوم  الوطني العراقي- بقلم صبيح الكعبي

 بسم الله الرحمن الرحيم    لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}

حين يتأمل المتابع الشأن العراقي، يدرك أن التاريخ لا يُصادف صدفةً، بل يُصنع حين تلتقي الإرادة الوطنية بجرأة القرار وثبات الخطى. ومن هذا المنطلق، يبرز تقاطع محطتين استراتيجيتين مفصليتين تتمثلان في خروج آخر جندي أجنبي والانتقال نحو شراكة شاملة، إلى جانب حصر السلاح بيد الدولة وحدها؛ إذ يمثلان معاً جوهر السيادة الحقيقية وكلمة السر في إحياء قوة الدولة العراقية وهيبتها المنشودة.

إن طي صفحة التواجد العسكري الأجنبي والانتقال بالعلاقات الدولية نحو شراكة استراتيجية شاملة ترتكز على الاقتصاد وقطاع الطاقة والدبلوماسية المتبادلة، يمنح العراق زمام أمره الخارجي؛ فلم يعد البلد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بل دولة قوية ترسم خارطة تحالفاتها وفق مصالحها العليا. غير أن هذه السيادة الخارجية لا تكتمل إلا برديفها الداخلي؛ فلا قيمة حقيقية لسيادة ترفع شعارها على الحدود بينما يتنازع السلاح سلطتها في الداخل. ومن هنا، يأتي حصر السلاح بيد الدولة ليكون التوأم الحقيقي لاستقلال القرار، فعندما تنتهي كافة الذرائع بانسحاب القوات الأجنبية، يسقط تلقائياً أي مبرر لوجود أي فصيل أو سلاح خارج مظلة المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية الوحيدة.

هذا التناغم العميق بين انتهاء الوجود العسكري الأجنبي وبسط سلطة القانون يترك أثراً سيكولوجياً ووطنياً جارفاً في وجدان الشعب العراقي؛ إذ يزيل حصر السلاح ذلك القلق الخفي الذي طالما رافق المواطن والمستثمر، مانحاً إياه شعوراً راسخاً بأن أمنه وأمانه يحميهما جيش وطني وقانون عادل، بعيداً عن تقاطعات الولاءات الضيقة. ولا يقتصر هذا الأثر على الطمأنينة الأمنية فحسب، بل يمتد ليعم الشوارع والساحات بأفراح غامرة واحتفالات شعبية حافلة؛ حيث تخرج المسيرات الجماهيرية العارمة وتصدح الأهازيج الوطنية الأصيلة، وتتداخل الدبكات العربية والكردية في لوحة فسيفسائية تنبض بالحياة، لتضفي على العراقيين بهجة عارمة وترسم على وجه الوطن فرحة طال انتظارها. وفضلاً عن ذلك، تفتح هذه الخطوة الأبواب واسعة أمام شركات الطاقة والاستثمار العالمية لتدخل بيئة آمنةً ومستقرةً، متوجةً اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية بثمار حقيقية تنعكس مباشرةً على البنى التحتية ورفاهية المواطنين. وحين تتكامل هذه المعطيات، يغمر العراقيين شعور عارم بفخر الانتماء الوطني، موقنين بأن بناء الدولة المدنية القوية هو الوفاء الأصدق لتضحيات الأجيال التي سعت دائماً لرؤية عراق مستقل، آمن، ومقتدر.

“السيادة ليست مجرد حدود تُحمى، بل هي احتكار شرعي للقوة يعلو فوق كل ولاية، وبدونه تتلاشى هيبة القانون ويضيع الإنسان[من فلسفة الدولة الحديثة].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *