مع كل أزمة حادة تعصف بالمنطقة يتم تفريغ بعض شحنات هذه الأزمة على كوردستان وعلى رؤوس الشعب الكوردي من خلال القصف المدفعي والمسيرات والضغط السياسي والاقتصادي والتهديدات المستمرة . الأعذار والاتهامات عندهم جاهزة ضد الشعب الكوردي أبسطها تهمة تواجد الموساد الإسرائيلي على أراضي كوردستان لذلك فالصواريخ موجهة والطائرات المسيرة صارت تسلية للقتل والحقد في أعلى مستوياته ، الهدف من كل ذلك الضغط على الكورد ودفعهم إلى الوراء لجعلهم ينسون طموحاتهم المشروعة ويشغلوهم بمشاكل جديدة وكبيرة ، فأية أزمة تعصف بالمنطقة يتم استغلالها بشكل احترافي من حكومات دول جوار كوردستان لتوجيه ضربة مدروسة للكورد . أربعة دول قوية شرسة يعيش الكورد بين ظهرانيها يحاربونهم كأعداء ويعزلونهم كمتمردين وينعتونهم دينياً وعرقياً بأسوأ ما يستطيعون خاصة بعد أن أثبت الكورد بأنهم ناجحون بكل المقاييس عندما جعلوا من أقليم كوردستان نبراساً للرقي الحضاري والإنساني ، فلا يريدون أن تتكرر تجربة وجود أقليم كوردستان بل لا يريدون أن تبقى هذه التجربة شاخصة أمام أعينهم تذّكرهم بفشلهم في قيادة دولهم . شدة الضربات على كوردستان تبين شدة الأزمات والأوجاع التي يعيشونها وهي تعبير عن صرخاتهم من شدة الألم ، لكن وللأسف الشديد كل مرة هذه الضربات المؤذية للشعب الكوردي تمر مرور الكرام لا عين رأت ولا أذن سمعت لأن تصاعد دخان ونار الأزمات تجعل الإعلام العالمي والمجتمع الدولي في شغل شاغل بالأحداث المستجدة فتصبح كوردستان والشعب الكوردي وما يتعرضون له من اعتداءات ومخططات طي النسيان . قادة دول الجوار منذ مئات السنين معروف عنهم بأنهم قادة فاشلون في كل شيء إلا في المكر والخداع والقتل فأنهم ناجحون بل بارعون جداً ( هذا هو التأريخ شاهد على ذلك وشعوب المنطقة لها تجارب مريرة مع حكامها وليس فقط الشعب الكوردي ) . ليس الكورد وحدهم من يتعرض للإيذاء في مثل هكذا مناسبات أليمة كذلك شعوب المنطقة تشاركهم الويلات فهم جميعاً بالمصائب حبايب . الشيء الذي علينا جميعاً إدراكه بأن ما حدث بالأمس وما يحدث اليوم من حروب ودمار واقتتال متجدد ومستمر لا يمكن أن تنتهي بسهولة فهي متجذرة تأريخياً ولها مغذياتها ، فمع كل حدث جديد هناك فوائد وأرباح لبعض الأطراف إلا الكورد ، عندما تنتهي هذه تأتي الأشد مرارة وتبقى أربيل والسليمانية وباقي أراضي كوردستان تتحمل وزر فاعليها . هكذا هو الواقع ، مستفيدون ومتضررون والمتضررون هم الشعوب وكوردستان أول المتضررين . يؤلمنا سماع بعض المتفائلين بأن انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق ومن كوردستان خصوصاً ستجعل الأمن والأمان يعودان لهذا البلد وللمنطقة وستنعم كوردستان بالراحة من العدوان وستعيش المنطقة بحبوحة الجنان . شعوب تعودت أن تخدع نفسها بأوهام وسيناريوهات غير واقعية . خوفنا أن تصحوا شعوب وحكومات دول المنطقة في يوم من الأيام لتجد بأنها خسرت مالم يكن بالحسبان فيصبحوا على ما فعلوا بأنفسهم نادمين ولكن هذه المرة لا ينفع الندم . . التفاؤل مطلوب وأمنية يتمناها الجميع لكن التشاؤم لم يأتي من فراغ بل من الواقع المليء بمخلفات الماضي الذي تظل جراحاته تنزف دماً . هل تذوقت شعوب المنطقة شيئاً من هذا التفاؤل خلال عدة قرون ؟ أكيد لا . فعندما يتفائلون بالأوهام يكون الندم مؤلماً ، لكن الكورد في تجاربهم كما هو معروف عنهم تعودوا طعم المرارة فلن يعد يفرق عندهم الطعم . الكورد يخلقون الحال الأفضل لأنفسهم دون إيذاء أحد ، فأي ظرف صعب لن يكون أصعب مما سبق عليهم وهذا قدرهم بالحياة أن يعيشوا تحت أسوأ الظروف مع أسوأ الأنظمة في أسوأ بقعة للعيش على وجه الأرض ، لكنه قدر صنع منهم أجيالاً صلبة كصلابة الجبال ، فالكورد هم الشعب الوحيد من بين شعوب المنطقة يفرح ويرقص ويغني مع كل هذا الألم ، شعب يتطلع للتغيير رغم الجراح ، وهذه ميزة حاباها الله لهذا الشعب ليتحمل الآلام ويستمر بكل تحدي ولا ينكسر . يستكثرون اليوم أن يكون للكورد بأعدادهم الكبيرة ومساحات أراضيهم الواسعة وثقافتهم التأريخية وخيراتهم الوفيرة يستكثرون أن يكون لهذا الشعب العريق ( إقليم صغير ) كأنها ( جنة صغيرة ) ويودون أن تكون كوردستان كلها قصبة أو قضاء تخلو من الحياة والحب والفرح كي يعيبوا الكورد بأنهم أقوام متخلفون بلا حياة وسيسعون جاهدين لجعل كوردستان بهذه الصورة المظلمة التي في مخيلتهم ضائعة منسية إلى الأبد ، لذلك هم فرحون ب ( خلو ) أرض كوردستان من قوات التحالف الدولية لعلهم يفترسون كوردستان كما فعلوها من قبل ، لكن هيهات أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء لأن التغيير سيكون حتمياً ، فعندما تثخن جراحاتهم سيرضون بما هو أسوأ . من الإنصاف أن لا نحمل الشعوب وزر الحكومات التي لا تراعي العلاقات والروابط التأريخية بين الشعوب ، فكثير من أبناء الشعوب المجاورة لكوردستان يحبون الكورد كحبهم لأنفسهم وحالهم ليس أفضل من حال الكورد . الحقيقة التي يجهلها الكثيرون بأن الدنيا تدور فكم من قوي تلاشت قوته وضعفت ، وكم من ضعيف تعافى وتجبّر فلا عجالة مع المستقبل !

