هل خسرنا المعركة أم خسرنا الحرب في غربي كوردستان؟ وهل خرجنا من سوريا البعث، أم دخلنا سوريا تجمع إقصاءه بتكفير الجماعات الإسلامية؟ تُطرح هذه الأسئلة أمام محاولة إعادة الكورد إلى موقع الشعب الذي يلتقط الفتات، ويُطلب منه شكر السلطة على جزءٍ من حقوقه، بينما يستمرّ الضغط لإذابته.
خسرنا المعركة أمام قوى تمزج العنصرية العروبية بالإرث البعثي والتكفير، وتستفيد من الدعم التركي. لكنّ قدرتها على فرض هذا التراجع ارتبطت بتحوّلات أوسع في مصالح الحلفاء وسياسات الدول الكبرى. لم يتراجع الحضور الكوردي لأنّ خصومه امتلكوا مشروعًا أقدر على بناء الدولة؛ تراجع حين تبدّل موقعه في حسابات القوى التي تحالفت معه، ووجدت أنقرة فرصةً لتوسيع نفوذها عبر أدواتها المحلية.
أعادت أولوية مواجهة إيران وشبكاتها ترتيب الشراكات، وفتحت المجال لتعزيز اصطفافٍ تقوده قوى سنّية في مواجهتها. وداخل هذه المعادلة، أُعيد تقديم جماعاتٍ ذات ماضٍ إرهابي بوصفها سلطةً وشريكًا سياسيًا. ما عجزت هذه القوى عن انتزاعه بالمواجهة وحدها، أصبح ممكنًا حين حصلت على غطاءٍ سياسي وتبدّلت حسابات الحلفاء.
الرابح الاستراتيجي هو تركيا. أمّا السلطة السورية والقوى العربية التي تشاركها المواجهة، فالمكاسب التي تحصل عليها توسّع نفوذ أنقرة أكثر ممّا تمنحها استقلال القرار. السيطرة التي ترتبط بالحماية الخارجية والإملاءات الإقليمية تبقى مقيّدةً بشروط مَن أتاحها. ومَن يسمّي ذلك انتصارًا سوريًا يتجاهل الجهة التي تراكم القدرة على تقرير مصير سوريا.
وأمريكا وإسرائيل تخاطران بخسارة تتجاوز المواجهة مع إيران. فإضعاف الحضور الكوردي وفتح المجال للهيمنة التركية قد ينقلان المنطقة من نفوذٍ يجري تحجيمه إلى نفوذٍ آخر يُسمح له بالتمدّد. إضعاف طهران لا يجعل تضخيم قوة أنقرة مكسبًا تلقائيًا؛ وقد تدفعان لاحقًا ثمن المساحة التي تركتاها لها اليوم.
لكنّ خصومنا لم يفتحوا الثغرات وحدهم. بعض أطراف الحراك الكوردي احتكرت المكتسبات، وحجبت المشاركة عن الشعب وعن شركائها، ثم قدّمت تنازلاتٍ لقوى تعادي الحقوق الكوردية. تعاملت مع الإنجاز باعتباره ملكيةً تنظيمية، ومع الشريك الكوردي باعتباره منافسًا، ومع الخصم باعتباره طرفًا يمكن استرضاؤه. ما يُمنع عن الشريك ويُمنح للخصم يتحوّل إلى خسارةٍ يدفع ثمنها الشعب.
وخسارة المعركة لا تقتصر على المواقع العسكرية؛ ترافقها محاولة لمحو غربي كوردستان من الوعي. تُسقط حدود سوريا الحديثة على الماضي، ويُقدَّم الكورد باعتبارهم وافدين، وتُستخدم روايات انتقائية لفصلهم عن أرضهم. كأنّ الدولة التي رُسمت حدودها في القرن العشرين امتلكتها منذ آلاف السنين، وكأنّ تاريخ الكورد بدأ يوم دخلوا سجلاتها. المنتصر في جولةٍ عسكرية لا يصبح مالكًا لتاريخ الأرض.
الغاية الأوسع هي منع الكورد من تثبيت حقوقهم وموقعهم السياسي، وتحويل مكتسباتهم إلى ملفاتٍ تتفاوض عليها القوى الإقليمية فوق رؤوسهم. لهذا لا يصحّ مساواة تراجع تنظيمٍ بهزيمة شعب، أو خسارة موقعٍ بانتهاء قضية. التنظيمات تتبدّل، والقيادات تُحاسَب، والاتفاقيات تنهار؛ أمّا صلة الشعب بأرضه وحقّه في تقرير مستقبله فلا تسقط بهذه التحوّلات.
نعم، خسرنا معركة، وقد ندفع أثمانًا أخرى. لكنّ إعلان نهاية الحرب يعني التسليم بأنّ خصومنا نجحوا في محو القضية، وهذا لم ولن يحدث. كوردستان أوسع من حسابات القيادات، وحقوق الكورد أقدم من التسويات التي تُعقد عليهم. ومن يطالبنا بمحو غربي كوردستان من لغتنا وذاكرتنا كي يقبلنا في سوريا، لا يعرض علينا وطنًا؛ يعرض علينا شروط اختفائنا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
8/10/2026م

