اليسار الإبراهيمي / رضوان فارس

تاهت أمتنا في دهاليز البحث عن الخلاص، وتفرّقت قواها الحية من معارضين ومثقفين وناشطين في نقاشات عقيمة لا تنتهي، وكأنها عالقة بين تدينٍ يستدعي الماضي وعلمانيةٍ تستورد التنوير من الغرب. وهنا تكمن المأساة العبثية؛ فاليسار الإبراهيمي هو في جوهره رسالة خاصة لأولئك العلمانيين والمتدينين الذين يسعون، رغم اختلاف منطلقاتهم، إلى الهدف ذاته: الحرية والعدالة، لكنهم يحاربون أنفسهم وبعضهم البعض في معارك وهمية لا يربح من استمرارها سوى الطغاة.

والحقيقة التي تغيب عنهم هي أننا لن نتحرر إلا بعد أن نتعرّف على اليسار وجذوره التاريخية الضاربة في عمق وجودنا الإنساني، ومصدر إلهام حضاراتنا القديمة التي ساهمت في بناء المنظومة الأخلاقية العالمية. علينا أن نبتعد عن أوهام الاستيراد الفكري والاختزال السياسي الضيق، وألا نضيع أكثر فأكثر.

حين نفتّش في التاريخ السياسي المعاصر، جرت العادة على إرجاع اليسار والعدالة الاجتماعية ونقد الطبقية ومواجهة الاستبداد إلى أدبيات الثورة الفرنسية ومجالس باريس في القرن الثامن عشر، وكأن صرخة الرفض الإنساني بضاعة غربية نشأت هناك، وعلينا أن نستوردها لنكون أحرارًا. غير أن هذا الفهم السطحي يغفل عن الحقيقة التأسيسية الكبرى: إن اليسار الفرنسي والأوروبي لم يكن بدايةً لفكرة التحرر؛ فرفض الطغيان والسعي إلى العدالة أقدم من الثورة الفرنسية بآلاف السنين، وقد تجسّد ذلك في التمرد الإبراهيمي بوصفه أحد رموز الرفض الإنساني للطغيان والسعي إلى العدالة.

لقد كان إبراهيم الخليل عليه السلام هو الثائر واليساري الأول في تاريخ البشرية، والذي أطلق عليه القائد عبدالله أوجلان اسم «أشجع إنسان عاش على كوكبنا»، وكان أمةً في رجل حين حمل الفأس ليدكّ التحالف الثلاثي الذي يستعبد الإنسان في كل عصر: صنم الطاغوت والسلطة المطلقة المتمثلة في النمرود، وصنم الكهانة الدينية التي تغلّف الظلم بالقداسة وتخدّر الشعوب، وصنم المال المكنوز والطبقية التي تجوّع الفقراء لصالح المترفين. إن هذا التمرد لم يكن مجرد تنظير، بل كان جسدًا حيًّا لمفهوم «الخونەڤا» الذي يُسمّونه الآن اليسار؛ ذلك التمرد الوجودي الصارم للإنسان الذي يرفض الهوان، ويكره ذاته الخانعة وهي تعيش تحت سقف الظلم، فيندفع بكامل إرادته الأخلاقية ليحطّم الأصنام، متحمّلًا النار وثمن الحرية.

وليس التفكير في ربط الإيمان بالتحرر طارئًا؛ بل كانت هناك محاولات متعددة في الفكر المعاصر، مثل مشروع «اليسار الإسلامي» لحسن حنفي، وأطروحات «اشتراكية الإسلام» لمصطفى السباعي، وما قدّمه علي شريعتي في نقده لاستغلال السلطة للعقيدة، وصولًا إلى «لاهوت التحرير» في أمريكا اللاتينية. غير أن معظم هذه المحاولات، ورغم وجاهة مقاصدها، ظلت محصورة في أطر أيديولوجية وضائقة مذهبية أو لاهوتية قد تتصادم وتتصارع في نهاية المطاف، لتتوه مجددًا في تفاصيل العقائد والعبارات. وهنا تتجلى أسبقية «اليسار الإبراهيمي» وقوته؛ فهو لا يخلق صراعًا لاهوتيًا ولا يبتكر أيديولوجيا مذهبية جديدة، بل يعود مباشرة إلى اللحظة الإبراهيمية التأسيسية الصافية؛ لحظة التمرد الإنساني الخالص على الطغيان واستعادة العدالة، بعيدًا عن أسر المذاهب والتحزبات الشكلية.

ومن هذا المنطلق، تستحق أفكار السيد عبد الله أوجلان، ولا سيما ما طرحه في مجلدات «مانيفستو الحضارة الديمقراطية»، قراءةً خاصة؛ فقد تناول في كتاباته إبراهيم عليه السلام ضمن قراءته لنشأة السلطة والمعبد والكهنوت في حضارات الشرق القديم، وربط قصته بالتمرد على منظومات الهيمنة. ومن المفيد أن يطالع القراء هذه الأفكار ويتأملوا مشروع الحضارة الديمقراطية الذي يطرحه السيد عبدالله أوجلان، لما فيه من محاولة للبحث عن أرضية مشتركة تتجاوز الانقسامات القومية والدينية والاجتماعية. فالمطلوب ليس التسليم بكل ما يقوله أي مفكر، بل قراءة أفكاره بوعي ونقد، واستخلاص ما يساعدنا على فهم واقعنا وبناء مشروع يجمع الناس حول الحرية والعدالة.

إن العودة إلى الجذور التاريخية لمذهب الخونەڤا «اليسار الإبراهيمي» هي المفتاح الوحيد لتجاوز الانقسام التاريخي الذي يغذّيه الطغاة والمستبدون لإبقائنا شتاتًا. إنها قد تكون سفينة العصر للخلاص التي يجب أن تتسع للمتدين الحر الذي يرى في توحيده فعلًا تحرريًّا يرفض السجود للطغاة وأمراء القلاع، ولغير المتدين والعلماني والناشط النقدي الباحث عن العدالة الاجتماعية والعقلانية؛ ليتحد من خلالها الجميع تحت راية كرامة الإنسان المستقل.

إننا لن نكسر قيود الاستبداد ولن نبني مجتمع العدالة والحق ما دمنا نجهل أصل حريتنا ونستورد كرامتنا من موائد الآخرين. يبدأ التحرر عندما نفهم أن اليسار الإبراهيمي هو هويتنا الأصيلة، وأن الرفض والتمرد والعدالة ليست نظريات غريبة، بل هي إرثنا الإنساني الأول وجوهر وجودنا، الذي يبدأ بكسر الأصنام ولا ينتهي إلا بانتزاع الحرية والعدالة المطلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *