في زاوية ضيقة من كرفان متهالك على أطراف نينوى، تجلس أم أحمد (38 عاماً) شاحبة الوجه، تُقلّب بكفّيها المتشققتين بضعة أوراق رسمية تآكلت أطرافها؛ ففي خريف عام 2017، وارى الثرى زوجها وشقيقها تحت أنقاض بيتهما الذي انهار خلال العمليات العسكرية الشرسة. وتلتفت اليوم إلى أطفالها الثلاثة، وأكبرهم لم يتجاوز العاشرة، لتقول بنبرة يملأها الانكسار كلما غربت الشمس، أتساءل كيف سأطعمهم غداً؟ لا راتب يقينا غدر الأيام، ولا جدار يحمينا قسوة الشتاء. نحن أحياء.. لكننا سقطنا من حسابات الحياة ومن هذا. المنطلق، لا تبدو أم أحمد حالة استثنائية عابرة، بل هي وجه واحد لمليون مأساة صامتة .تعيش في ظلال الوجع العراقي الممتد الذي خلفته النزاعات المتتالية
وإذا ما دلفنا إلى عمق هذه المأساة، نجد أنه بين طيات الحروب التي تعاقبت على أرض الرافدين، تكمن كلفة بشرية باهظة لا تُقاس بعدد الرصاصات أو قسوة الانفجارات، بل بدموع الأمهات الثكالى وضياع الطفولة المبتورة، إذ تركت عقود من الصراعات المسلحة خلفها جيشاً من الأرامل والأيتام يعيشون في عراء التهميش والفقر، ويواجهون واقعاً طحنت أركانه التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وإن هذا الواقع النازف يستصرخ اليوم الضمائر الحية، والمسؤولية الشرعية والإنسانية قبل كل شيء؛ فقد عظّم الخالق سبحانه وتعالى من شأن هذه الشريحة، وجعل رعايتها باباً من أبواب العدالة الإلهية، حيث يقول في محكم كتابه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220]، فأين المسير اليوم من هذا “الإصلاح” وسط ركام الإهمال ومرارة الفقد؟
وحيث إن هذا الوجع لم يكن يوماً خافياً على الضمير العالمي، فقد سارعت كبرى الصحف ومراكز البحوث الدولية إلى توثيق حجم الأزمة بإحصائيات تكشف عمق المعاناة؛ وتُجمع البيانات الميدانية في هذا الصدد على أن عدد الأرامل والمطلقات في العراق بات يتراوح ما بين 900 ألف إلى المليون امرأة، وفي ذروة النزاعات الدامية، كانت الآلات الحربية تخلّف نحو 100 أرملة جديدة يومياً. وتبعاً لذلك، رصدت التحقيقات الصحفية العالمية، لاسيما في الصحف الأمريكية مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست ووكالات الأنباء الدولية مثل رويترز، عشوائيات الكرفانات المحيطة بالعاصمة بغداد والمحافظات، موثقةً كيف تحولت المرأة إلى معيل وحيد لعائلات بأكملها في بيئة اقتصادية بالغة التعقيد، وفي ظل غياب منظومة دعم حكومي مرنة تكفل لها العيش الآمن. وعلاوة على ذلك، تكشف التقارير الحقوقية لمنظمة اليونيسف عن واقع مأساوي يخص الطفولة؛ حيث يحتضن العراق قرابة 5 ملايين طفل يتيم، وهو ما يعادل 5% من إجمالي أيتام العالم. ففي محافظات مثل نينوى، تشير التقديرات الصحفية إلى وجود أكثر من 20 ألف يتيم يعانون خطر الضياع، والأخطر من ذلك كله، هو معضلة آلاف الأطفال فاقدي الأوراق الثبوتية نتيجة تدمير السجلات الرسمية أثناء العمليات العسكرية؛ مما يحرمهم قانونياً من حق التعليم والرعاية الصحية، ويدفع بأكثر من مليون طفل إلى سوق العمل الشاقة لتأمين لقمة العيش .
بيد أنه وإزاء هذا المشهد القاتم، برزت في الأفق بعض المحاولات الدؤوبة لبلسمة هذه الجراح؛ حيث قامت عتبات مقدسة، ومؤسسات مجتمع مدني، وأطراف سياسية وحزبية، بتبني مشاريع إسكانية ريادية وصناديق تكافلية، فركّزت هذه المبادرات على تشييد مجمعات سكنية مخصصة لإيواء عوائل الشهداء والمتضررين، فضلاً عن تقديم رواتب كفالة شهرية للأيتام. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوات الإنسانية الملموسة التي أسهمت في إنقاذ آلاف الأسر من العراء، إلا أنها تظل حلولاً موضعية محدودة المساحة أمام طوفان الحاجة الممتد على خارطة البلاد، مما يجعل التدخل الحكومي الإستراتيجي أمراً حتمياً لا بديل عنه .
وتأسيساً على ما تقدم، فإن إيقاف هذا النزيف يتطلب الانتقال الفوري من عقلية “الإغاثة المؤقتة” إلى إستراتيجية “البناء الشامل”، وذلك من خلال تطبيق خارطة طريق واضحة ترتكز على النقاط الآتية :
- إنهاء ملف مخيمات الكرفانات والعشوائيات عبر خطة إسكانية وطنية تضمن بناء مجمعات حديثة واطئة الكلفة وتخصيص حصص مجانية وثابتة للأرامل والأيتام، مع إطلاق قروض عقارية حكومية معفاة من الفوائد لترميم المنازل المتضررة .
- إصلاح منظومة شبكة الحماية الاجتماعية ورفع قيمة رواتب الرعاية الشهرية بما يتلاءم مع الحد الأدنى للأجور وتكلفة المعيشة الحالية، وتسهيل الإجراءات الإدارية لوصول هذا الدعم دون عوائق بيروقراطية.
- التأسيس لمشاريع التنمية المستدامة والتحول من النمط الرعوي عبر تدشين مراكز تأهيل مهني متخصصة لتدريب النساء على مهن الحرف اليدوية، والمهارات الرقمية، والصناعات الغذائية، ودعمهن بمنح مالية صغيرة غير مستردة لإطلاق مشاريعهن الخاصة.
- تشكيل لجان قضائية وحكومية جوالة في المناطق المتضررة للإسراع في إثبات النسب وإصدار الأوراق الثبوتية الرسمية للأطفال فاقدي الوثائق، لإنقاذهم من شبكات الاستغلال وعمالة الأطفال وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة .
- تشييد مراكز وطنية ميدانية متكاملة للرعاية الصحية والدعم النفسي لعلاج صدمات ما بعد النزاعات والحروب لدى الأطفال والأمهات، وتوسيع شراكات الكفالة التعليمية والصحية مع المؤسسات الإنسانية المتخصصة كمؤسسة العين للرعاية الاجتماعية .
وفي نهاية المطاف، لا بد لنا أن ندرك أن الأرامل والأيتام في العراق ليسوا مجرد أرقام تُتلى في المؤتمرات الدولية، ولا حبراً يُسكب على ورق التقارير العابرة؛ إنهم قطعٌ حية من لحم هذا الوطن النابض بالوجع، وجزءٌ من هويته التي شوهتها النيران. إن كل طفل ينام جائعاً على رصيف الحرمان، وكل أم تحرق عمرها لتشتري لقمة لأطفالها تحت سقف صفيح، هما شاهدان حيّان على تقصير جماعي، وصوت إدانة يلاحق كل ذي شأن تقاعس عن واجبه. إن كرامة الوطن من كرامة نسائه وحماية أطفاله؛ ولن يستعيد العراق عافيته ما لم تنحنِ هامات القرار لتمسح دموع يتيم، وتسنّ من التشريعات ما يحفظ للأرملة عزتها؛ فقد حان الوقت لتتوقف الحروب في مصائرهم، وتبدأ معركة البناء في حياتهم، فالأوطان لا تُبنى ببريق الشعارات، بل بإنصاف الضعفاء وإحقاق الحق .

