الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب : حين تتسع النظرية ويضيق الواقع – محمد ديب أحمد

بين مجرّة التنظير وأسئلة السياسة ومصير الأمم
ثمة مشاريع سياسية تتسع نظرياتها حتى يكاد صداها يبلغ مجرّة درب التبانة ، وتتجاوز حدودها أحلام تشي غيفارا بمسافات ضوئية . وفي دفاتر التنظير الفكري ، تبدو المجرّات الأخرى ، بألوانها وأطيافها وتنوع عوالمها ، كأنها أقاليم تنتظر أن تُضاف إلى خريطة المشروع ، فلا ينقصنا سوى مدّ الخريطة قليلاً ، حتى يصبح الكون بأسره قابلاً لأن يتسع للنظرية !
لكننا ، حين نترجل من هذه الرحلة الكونية ونعود إلى كوكب الأرض ، حيث تعيش الشعوب وتتصارع المصالح وتُصنع القرارات ، نصطدم بأسئلة لا تجيب عنها بلاغة الشعارات ، ولا تحلّها كثافة المصطلحات ، مهما بلغت من الجمال والاتساع .
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية : ما الذي تقدمه هذه الفلسفات للناس ؟
 وكيف يمكن الانتقال من التصورات النظرية إلى واقع سياسي قابل للاختبار ؟
وهل يكفي أن نمنح فكرةً اسماً جديداً حتى نكون قد اكتشفنا طريقاً جديداً لتنظيم المجتمعات ؟
أمة على مقاس نظرية ؟
ارتبط مفهوم «الأمة الديمقراطية» ، في طرح السيد عبد الله أوجلان ، برؤية تسعى إلى تجاوز التصور التقليدي للدولة القومية ، وتطرح أشكالاً بديلة لتنظيم المجتمع والعلاقة بين مكوناته . وترتبط به فكرة «الكونفدرالية الديمقراطية» بوصفها تصوراً سياسياً وتنظيمياً يتجاوز مركزية الدولة القومية .
ومن حق أي مفكر أن يقدم ما يشاء من أفكار ، ومن حق أتباع أي تيار أن يؤمنوا بما يرونه صالحاً لمجتمعاتهم . لكن الحق في طرح النظرية لا يمنحها حصانة من النقد ، كما أن اتساع طموحاتها لا يشكل ، بحد ذاته دليلاً على صلاحيتها .
والفلسفة السياسية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج المصطلحات ، ولا بعدد المفاهيم التي تستطيع جمعها تحت مظلة واحدة ، بل بما تقدمه من إجابات عن أسئلة السلطة والحقوق والمواطنة والاختلاف ، وبمدى قدرتها على تفسير الواقع واقتراح حلول قابلة للتطبيق .
وهنا يبرز سؤال جوهري :
 ما الذي يجعل «الأمة الديمقراطية» تصوراً سياسياً متميزاً عن المفاهيم المعروفة للتعددية واللامركزية والمشاركة المجتمعية ؟
 وما الإضافة العملية التي تقدمها ؟
وكيف يمكن التحقق من أن هذا التصور يحقق ما يعد به ؟
ليس كافياً أن نقول إننا تجاوزنا الدولة القومية ، أو إننا نبحث عن نموذج جديد للأمة . فالمسألة ليست في تغيير الأسماء ، وإنما في تحديد المضمون .
وما لم تتضح حدود المفهوم وآليات تطبيقه ومعايير الحكم على نجاحه ، فقد تتحول سعة المصطلح إلى مشكلة بحد ذاتها ؛
 إذ يصبح قادراً على استيعاب كل شيء في الخطاب ، من دون أن يقدم بالضرورة جواباً محدداً عن أسئلة الواقع .
فليس كل ما يبدو جديداً في لغته جديداً بالضرورة في مضمونه ، وليس كل ما يتجاوز النماذج القائمة ينجح تلقائياً في تقديم بديل أفضل منها .
أخوّة الشعوب أم اختبار الحقوق ؟
لا خلاف على أن الأخوّة بين الشعوب قيمة إنسانية نبيلة ، وأن التعايش والتعاون والاحترام المتبادل أهداف تستحق العمل من أجلها .
لكن السياسة ليست قصيدة نتغنى فيها بالهيام بين الشعوب ، ثم نترك التفاصيل لأقدارها .
فالأخوّة في الحياة السياسية لا تُقاس بجمال العبارة ، بل بالمساواة في الحقوق ، والعدالة في توزيع المسؤوليات والفرص ، واحترام الخصوصيات القومية والثقافية واللغوية ، وضمان حق كل مكوّن في المشاركة في القرارات التي تمس مستقبله .
وإذا كانت الشعوب إخوة ، فهل يكفي إعلان ذلك حتى تصبح العلاقة بينها متكافئة ؟
 أم أن الأخوّة تحتاج إلى قواعد واضحة تمنع احتكار القرار ، وتضمن ألا تتحول شعارات الوحدة والتعايش إلى وسيلة لتهميش الاختلاف ؟
وهل يمكن الحديث عن أخوّة سياسية حقيقية من دون تحديد حقوق الأطراف ، وضمانات حمايتها ، وآليات فضّ الخلافات بينها ؟
من زاويتي أرى أن الشعوب لا تصبح متساوية بمجرد تسميتها إخوة ، كما أن الحقوق لا تُصان بمجرد إدراجها في خطاب سياسي جميل .
 فالمفاهيم الأخلاقية ، مهما كانت نبيلة ، تحتاج إلى ترجمتها إلى قواعد ومؤسسات وضمانات ، وإلا بقيت معلقة في فضاء النوايا .
والسؤال هنا ليس إن كنا نحب الأخوّة أم نرفضها ، ولا إن كنا نؤيد التعايش أم نعارضه ؛ بل كيف ننتقل من القيمة الأخلاقية إلى الحق السياسي ، ومن العبارة الجميلة إلى الممارسة التي يستطيع المواطن أن يلمس أثرها ؟
فالأخوّة الحقيقية لا تطلب من الناس أن يتخلوا عن اختلافاتهم كي يستحقوا الاعتراف بهم ، ولا تشترط عليهم الانضواء تحت فلسفة واحدة حتى يصبحوا شركاء في وطنهم .
إذا كان البيت لا يتسع لفكر واحد ، فكيف تتسع له أمة ؟
لننظر إلى حياتنا اليومية . ففي البيت الواحد قد تتعدد الآراء والميول والتصورات ، وقد يختلف أفراد الأسرة في السياسة والدين والثقافة وخيارات الحياة ، ومع ذلك لا يفقدون حقهم في الانتماء إلى البيت نفسه .
فإذا كان الاختلاف أمراً طبيعياً في الأسرة الصغيرة ، فكيف يمكن تصور مجتمع كامل ، بتاريخه ومكوناته ومصالحه وتطلعاته المتباينة ، على أساس مرجعية أيديولوجية واحدة ؟
لا يعني ذلك أن المجتمع يستطيع العيش بلا قيم مشتركة أو قواعد تنظم حياته ؛ فكل مجتمع يحتاج إلى قانون يحمي الحقوق ، وإلى مؤسسات تضبط العلاقة بين أفراده ، وإلى أرضية مشتركة تتيح لهم إدارة خلافاتهم .
 لكن ثمة فرقاً كبيراً بين الاتفاق على قواعد المواطنة ، وبين مطالبة الجميع بالانطلاق من فلسفة سياسية واحدة .
الأولى تتيح للناس الاختلاف في إطار مشترك يحميهم ، أما الثانية فقد تفتح الباب أمام تحويل الاختلاف الفكري إلى مشكلة سياسية ، خصوصاً حين تتداخل المرجعية الأيديولوجية مع سلطة القرار .
وهنا تكمن المفارقة : إذا كان المشروع يرفع شعار التعددية ، فهل ينبغي أن تكون التعددية محصورة في المكونات القومية والثقافية ، أم تشمل أيضاً التعددية السياسية والفكرية داخل كل مكوّن ؟
وهل يحق للكردي مثلاً ، أن يعتز بهويته القومية ، وفي الوقت نفسه يرفض «الأمة الديمقراطية» بوصفها تصوراً سياسياً ؟
وهل يحق للعربي أو السرياني أو الآشوري أن يؤمن بالتعايش ، لكنه يختار فلسفة أخرى لتنظيم المجتمع والدولة ؟
إذا كان الجواب نعم ، فهذه هي التعددية التي ينبغي أن تحميها القواعد والمؤسسات . أما إذا كان الانتماء إلى المشروع شرطاً ضمنياً للمشاركة الكاملة ، فإننا نكون أمام تناقض يستحق النقاش ، مهما كانت الشعارات المعلنة جذابة .
فالأمة أوسع من الحزب ، والمجتمع أوسع من الأيديولوجيا ، والشعوب ليست مادة خاماً تُعاد صياغتها على مقاس نظرية ، مهما حسنت نيات أصحابها .
حين تتحول الفلسفة إلى ترتيب للأولويات
لا تبقى الفلسفات السياسية حبيسة الكتب ، حين تتبناها قوى تمتلك نفوذاً أو تسعى إلى تنظيم المجتمع وفق تصوراتها . فهي تؤثر في تعريف المشكلات ، وتحديد الأولويات ، واختيار الحلفاء والخصوم ، وتوزيع الموارد ، وتصور العلاقة بين الفرد والجماعة والدولة .
ولهذا لا يكفي أن نسأل عمّا تقوله النظرية عن الحرية والتعددية والمشاركة ، بل ينبغي أن نسأل أيضاً :
ما الأولويات التي تضعها في مقدمة المشروع ؟
 وما القضايا التي تتقدم في سلم الاهتمام ، وما القضايا التي تتراجع ؟
وكيف تُوزن مصالح المجتمع اليومية في مقابل الأهداف الأيديولوجية بعيدة المدى ؟
فمصير الشعوب لا يُدار بالمفاهيم المجردة وحدها . هناك أمن الناس ومعيشتهم ، وحقوقهم القومية والثقافية ، وفرصهم الاقتصادية ، وعلاقتهم بالدولة ، وقدرتهم على المشاركة في تقرير مستقبلهم .
وكل تصور سياسي يطمح إلى إعادة تنظيم المجتمع مطالب بأن يوضح كيف يتعامل مع هذه الملفات ، لا أن يكتفي بإحالتها إلى مستقبل أفضل تعد به النظرية .
وإذا تعارضت الأولويات العملية مع الوعود المعلنة ، فمن حق المجتمع أن يسأل عن أسباب ذلك .
وإذا أخفقت القرارات ، فمن حقه أن يطالب بالمراجعة والمحاسبة . وليس من المقبول أن تصبح النظرية مرجعاً لتفسير النجاحات ، بينما تُحال الإخفاقات دائماً إلى الظروف الخارجية ، أو إلى أن المجتمع لم يفهم الفكرة بما يكفي .
فالظروف الإقليمية والدولية والحروب والتدخلات الخارجية عوامل حقيقية ينبغي أخذها في الحسبان ، لكنها لا تجعل أي مشروع فوق المساءلة .
كما أن نقد مشروع سياسي لا يعني إنكار كل ما قدّمه ، بل يعني إخضاع ادعاءاته ونتائجه للمعايير نفسها التي نطالب بها سائر المشاريع .
وننوه أن النظرية التي لا تسمح بمراجعة أولوياتها حين تتغير الوقائع ، أو لا تميز بين أهدافها المعلنة ونتائج خياراتها ، تخاطر بأن تتحول من أداة لفهم الواقع وتغييره إلى إطار يدافع عن نفسه مهما تغير الواقع .
وهنا لا يعود السؤال عن جمال الفلسفة ، بل عن قدرتها على التعلم من التجربة ، وعن استعداد أصحابها للاعتراف بأن بعض الإجابات قد تكون خاطئة ، وأن بعض الأولويات قد تحتاج إلى إعادة ترتيب .
من مجرّة الشعارات إلى أرض السياسة
إن تجربة شمال وشرق سوريا ، وما شهدته من تطورات سياسية وترتيبات جديدة مع دمشق ، لا ينبغي أن تُقرأ اليوم كما لو أن المشهد بقي ثابتاً عند مراحله السابقة . فتغير الأطر السياسية والإدارية يفرض علينا أن نعيد النظر في أسئلتنا ، وأن نميز بين ما انتهى أو تبدل من ترتيبات ، وبين الأفكار التي ما زالت موضوعاً للنقاش والتقييم .
لكن هذا التغير لا يلغي السؤال عن الفلسفة التي رافقت التجربة ، ولا يحسم وحده الجدل بشأن قدرتها على تقديم تصور متماسك لتنظيم المجتمع والعلاقة بين مكوناته .
فإذا كان الشكل السياسي قد تغير ، فهل يعني ذلك أن الأسئلة الفكرية قد حُسمت ؟
وإذا انتقلت ترتيبات الإدارة إلى إطار جديد ، فهل أصبح من غير الضروري مراجعة المفاهيم التي استُخدمت لتبرير التجربة أو توجيهها ؟
بالطبع لا . فالأفكار لا تُقاس فقط بمدى استمرار مؤسسة معينة ، ولا ينتهي النقاش حولها بمجرد تغير ترتيبات السلطة . لكن من الضروري ألا نخلط بين نقد النظرية وبين وصف واقع إداري لم يعد قائماً بالشكل نفسه .
لهذا ينبغي أن يكون موضوعنا هو المشروع الفكري ذاته :
 مفاهيمه ، وادعاءاته ، وحدود تفسيره للواقع ، وما إذا كان يقدم إجابات عملية عن أسئلة المجتمعات التي يتحدث باسمها أو يطمح إلى تنظيمها .
فإذا كان الهدف بناء مجتمع تعددي ، فالتعددية لا تحتاج إلى أن تكون نسخة من فلسفة واحدة .
وإذا كان الهدف تجاوز المركزية ، فإن اللامركزية تحتاج إلى تحديد واضح للصلاحيات والحقوق والضمانات .
وإذا كان الهدف حماية الشعوب ، فإن الحماية تبدأ من الاعتراف بحقها في الاختيار والاختلاف ، لا من افتراض أن هناك تصوراً واحداً يعرف مسبقاً ما يناسب الجميع .
هل تحتاج النظرية إلى تلسكوب أم إلى مرآة ؟
ربما نحتاج إلى تلسكوب لنرى الآفاق البعيدة والأحلام الكبرى ، لكننا نحتاج أيضاً إلى مرآة صادقة نرى فيها أفكارنا كما هي ، لا كما نتمنى أن تكون .
فالتلسكوب قد يساعدنا على توسيع أفق الخيال ، لكنه لا يحوّل الفرضيات إلى حقائق ، ولا يجعل الفكرة قابلة للتطبيق لمجرد أنها تبدو شاملة .
والمرآة لا تهدف إلى تحطيم الحلم ، بل إلى اختبار المسافة بين ما نتصوره وما نستطيع تحقيقه .
مربط الفرس هو ليس المطلوب أن نصغّر النظرية حتى تتسع لها الأرض ، بل أن نختبر قدرتها على الوقوف فوقها . وليس المطلوب أن نرفض كل فكرة جديدة ، بل أن نطالبها بما نطالب به أي مشروع سياسي :
وضوح المفاهيم ، وتماسك الحجج ، واحترام التنوع ، وقابلية النتائج للفحص والمراجعة .
فحين يتسع المصطلح حتى يصبح قادراً على احتواء كل شيء ، ينبغي أن نسأل عن حدوده .
وحين تتسع الوعود حتى تكاد تشمل مستقبل البشرية بأسره ، فمن حقنا أن نبدأ بالسؤال عن حقوق الإنسان الذي يعيش أمامنا ، وعن المجتمع الذي يُفترض أن تخدمه تلك الوعود .
الأمة ليست مجرّة أيديولوجية ، والشعوب ليست كواكب تدور في مدار فلسفة واحدة . وما يجمع الناس في وطنهم ليس تطابق أفكارهم ، بل قدرتهم على العيش مع اختلافاتهم في ظل حقوق متساوية وقواعد عادلة ومؤسسات لا تحتكر الحقيقة .
أما الفلسفات السياسية ، مهما اتسعت خرائطها ، فتبقى أفكاراً بشرية تستحق النقاش والاختبار ، لا عقائد تُعفى من المساءلة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *