تستحق بعض السلوكيات الجماعية في الوسطين الروحي والسياسي توقفاً تحليلياً جاداً ؛ وفي مقدمتها ميل المريدين أو الأتباع إلى إحاطة الرمز الشيخ أو القائد بصورة استثنائية تتجاوز حدود ما يمكن إثباته بالعقل والمنطق من كرامات وأفكار ومواقف وإنجازات .
قد يبدأ المسار بإعجاب مشروع ، أو بتجربة قيادية ، أو تقدير لدور تاريخي في مرحلة نضالية محددة .
لكن سرعان ما تتسع مساحة التأويل الصوفي والحزبي الجمعي ، لتنتقل صورة الرمز في أذهان مريديه من “سياسي أو مصلح يجتهد في واقع معقد” إلى “شخصية تمتلك بصيرة معصومة” تعفيها من حدود الخطأ والمساءلة التي تخضع لها باقي القيادات والبشر .
في الطرق الصوفية ، تُفسَّر الظاهرة بروايات الكرامات . أما في البيئات السياسية والحزبية ، فنحن أمام “معجزات من نوع آخر” :
فالقائد لا يخطئ في قراءة التحالفات الإقليمية ، وتراجعات الحزب تُصوَّر كاستراتيجيات كبرى ، والقرارات المتناقضة يُعاد إنتاجها كـ “مناورات داهية” لا يستوعب أبعادها إلا الراسخون في الولاء التنظيمي !
الهدف ليس وضع التجربتين في سلة واحدة ، لكن المقارنة تشير إلى ميكانيزم اجتماعي وسياسي واحد :
كيف تكتسب المقولة السياسية قوتها من سلطة صاحبها بدلاً من قوة الدليل والواقع ؟
سياسة “الانتصار المؤجل” ، وسلطة الانتماء ، لو صدر القرار السياسي ذاته عن قيادي عادي لتعرض للمحاسبة والنقد ، لكنه عندما يصدر عن “الرمز” يُستقبل كمسلّمة .
فإذا نجح القرار ، كان ذلك برهاناً على بعُد نظر وعبقريته السياسية ؛
وإذا فشل ، أُلقي باللوم على عدم جاهزية القواعد أو مؤامرات الخصوم ؛
وإذا تناقض الموقف مع المبادئ المعلنة ، بُحث له عن مبرر يُظهر التناقض كعمق تكتيكي .
وهنا تتسلل المفارقة إلى الواقع السياسي :
حيث تحرص الأدبيات الحزبية المغلقة على تحويل كل خسران سياسي أو ميداني إلى “انتصار مؤجل”، بشرط أن تمتلك القواعد خيالاً تنظيمياً كافياً لترقيع النتيجة !
الخطورة هنا لا تكمن في الشخص ،
بل في أيديولوجيا التبرير التي تعطل أدوات التقييم الموضعي والتحليل السياسي السليم .
حين يتحول الولاء الحزبي إلى عبء على الإصلاح
والانتماء السياسي والحزبي حق كفله الفكر المدني والتعددية .
لكن المشكلة لا تكمن في الولاء للمشروع ، بل حين يتحول الانتماء الحزبي إلى “معيار أحادي للحقيقة”، ويُقاس صواب القرار بمدى قربه من رغبة الزعيم لا بمدى خدمته للمصلحة العامة .
في هذه الحالة ، يتحول النقد الذاتي داخل الأحزاب إلى تهمة “خروج عن الصف”، ويصبح الاعتراف بالخطأ السياسي هزةً للشرعية التنظيمية .
لكن السؤال الحقيقي :
هل مراجعة القرارات السياسية للرمز تنقص من مكانته ،
أم أنها شرط أساسي للضمان المؤسسي وبناء رجل الدولة ؟
قطعاً الاعتراف بالخطأ السياسي لا يمحو التاريخ النضالي ، والتراجع عن قرار خاطئ هو سمة النضج القيادي .
وعندما يُفرض التقديس الحزبي ، تُسلب القيادة حقها في التعلم والتطوير ، ويتحول الرمز إلى أسيرٍ لمريديه وللصحافة المحيطة والمطبلين الذين يمنحونه حصانة تضر بتاريخه قبل حاضره .
ونقطة اخرى هي بين الاعتقاد الفردي والشرعية الإنجازية
نعلم أن الاعتقاد الشخصي شأن خاص ، أما القرار السياسي فهو ملك للشأن العام . والسياسة في نهاية المطاف ليست امتحاناً في مدى الإيمان بالزعيم والقائد ، بل هي بناء لمؤسسات وإدارة للمصالح والخيارات .
وأرى ان القائد السياسي الحقيقي لا يحتاج إلى تحويل تحالفاته وقراراته إلى ثوابت عقائدية ؛
بل يمتلك الشجاعة لعرضها على مقياس “الشرعية الإنجازية” وتأثيرها المباشر على المجتمع .
والرموز الدينية والسياسية والتاريخية ليست أصناماً ، ونقد أدائهم لا يعني إنكار نضالهم أو محو إنجازاتهم من التاريخ .
وأرى أن إحترام الرمز السياسي يكون بوضعه في سياقه الإنساني والميداني ، لا برفعه الى حد الالوهية وإلى مرتبة تستحيل معها المحاسبة .
الخاتمة :
الوفاء السياسي الحقيقي
لا تكمن المشكلة في وجود قادة يمتلكون كاريزما وشعبية ، بل في تحوّل هذه الشعبية إلى حصانة تُغلّف الفشل ، وتمنع مراجعة السياسات .
والتقدير الحقيقي للرموز الدينية و الوطنية والحزبية يكمن في حفظ مكانتهم دون منحهم عصمة ، وفي تغليب لغة العقل ومصلحة الوطن والمؤسسة على صورة الفرد .
وحين تصبح مراجعة القرارات السياسية انتقاصاً من الرمز ، نكون قد قدمنا “الصورة” على “المشروع”، والولاء الأعمى على الحقيقة .
وعندها لا يعود السؤال السياسي :
هل أخطأ الزعيم ؟
بل : هل يمتلك المجتمع والحزب الشجاعة الفكرية للاعتراف بهذا الخطأ وتصحيحه ؟
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

