بين كرامات الشيخ ومعجزات الزعيم   –  قراءة في صناعة الرمز وتأزيم الإصلاح السياسي – محمد ديب أحمد

​تستحق بعض السلوكيات الجماعية في الوسطين الروحي والسياسي توقفاً تحليلياً جاداً ؛ وفي مقدمتها ميل المريدين أو الأتباع إلى إحاطة الرمز الشيخ أو القائد بصورة استثنائية تتجاوز حدود ما يمكن إثباته بالعقل والمنطق من كرامات وأفكار ومواقف وإنجازات .
​قد يبدأ المسار بإعجاب مشروع ، أو بتجربة قيادية ، أو تقدير لدور تاريخي في مرحلة نضالية محددة .
 لكن سرعان ما تتسع مساحة التأويل الصوفي والحزبي الجمعي ، لتنتقل صورة الرمز في أذهان مريديه من “سياسي أو مصلح يجتهد في واقع معقد” إلى “شخصية تمتلك بصيرة معصومة” تعفيها من حدود الخطأ والمساءلة التي تخضع لها باقي القيادات والبشر .
​في الطرق الصوفية ، تُفسَّر الظاهرة بروايات الكرامات . أما في البيئات السياسية والحزبية ، فنحن أمام “معجزات من نوع آخر” :
 فالقائد لا يخطئ في قراءة التحالفات الإقليمية ، وتراجعات الحزب تُصوَّر كاستراتيجيات كبرى ، والقرارات المتناقضة يُعاد إنتاجها كـ “مناورات داهية” لا يستوعب أبعادها إلا الراسخون في الولاء التنظيمي !
​ الهدف ليس وضع التجربتين في سلة واحدة ، لكن المقارنة تشير إلى ميكانيزم اجتماعي وسياسي واحد :
كيف تكتسب المقولة السياسية قوتها من سلطة صاحبها بدلاً من قوة الدليل والواقع ؟
​سياسة “الانتصار المؤجل” ،  وسلطة الانتماء ، ​لو صدر القرار السياسي ذاته عن قيادي عادي لتعرض للمحاسبة والنقد ، لكنه عندما يصدر عن “الرمز” يُستقبل كمسلّمة .
 فإذا نجح القرار ، كان ذلك برهاناً على بعُد نظر وعبقريته السياسية ؛
وإذا فشل ، أُلقي باللوم على عدم جاهزية القواعد أو مؤامرات الخصوم ؛
 وإذا تناقض الموقف مع المبادئ المعلنة ، بُحث له عن مبرر يُظهر التناقض كعمق تكتيكي .
​وهنا تتسلل المفارقة إلى الواقع السياسي :
حيث تحرص الأدبيات الحزبية المغلقة على تحويل كل خسران سياسي أو ميداني إلى “انتصار مؤجل”، بشرط أن تمتلك القواعد خيالاً تنظيمياً كافياً لترقيع النتيجة !
 الخطورة هنا لا تكمن في الشخص ،
بل في أيديولوجيا التبرير التي تعطل أدوات التقييم الموضعي والتحليل السياسي السليم .
​حين يتحول الولاء الحزبي إلى عبء على الإصلاح
و​الانتماء السياسي والحزبي حق كفله الفكر المدني والتعددية .
لكن المشكلة لا تكمن في الولاء للمشروع ، بل حين يتحول الانتماء الحزبي إلى “معيار أحادي للحقيقة”، ويُقاس صواب القرار بمدى قربه من رغبة الزعيم لا بمدى خدمته للمصلحة العامة .
​في هذه الحالة ، يتحول النقد الذاتي داخل الأحزاب إلى تهمة “خروج عن الصف”، ويصبح الاعتراف بالخطأ السياسي هزةً للشرعية التنظيمية .
لكن السؤال الحقيقي :
 هل مراجعة القرارات السياسية للرمز تنقص من مكانته ،
أم أنها شرط أساسي للضمان المؤسسي وبناء رجل الدولة ؟
قطعاً ​الاعتراف بالخطأ السياسي لا يمحو التاريخ النضالي ، والتراجع عن قرار خاطئ هو سمة النضج القيادي .
وعندما يُفرض التقديس الحزبي ، تُسلب القيادة حقها في التعلم والتطوير ، ويتحول الرمز إلى أسيرٍ لمريديه وللصحافة المحيطة والمطبلين الذين يمنحونه حصانة تضر بتاريخه قبل حاضره .
ونقطة اخرى هي ​بين الاعتقاد الفردي والشرعية الإنجازية
نعلم أن ​الاعتقاد الشخصي شأن خاص ، أما القرار السياسي فهو ملك للشأن العام . والسياسة في نهاية المطاف ليست امتحاناً في مدى الإيمان بالزعيم والقائد ، بل هي بناء لمؤسسات وإدارة للمصالح والخيارات .
وأرى ان القائد السياسي الحقيقي لا يحتاج إلى تحويل تحالفاته وقراراته إلى ثوابت عقائدية ؛
بل يمتلك الشجاعة لعرضها على مقياس “الشرعية الإنجازية” وتأثيرها المباشر على المجتمع .
و​الرموز الدينية والسياسية والتاريخية ليست أصناماً ، ونقد أدائهم لا يعني إنكار نضالهم أو محو إنجازاتهم من التاريخ .
 وأرى أن إحترام الرمز السياسي يكون بوضعه في سياقه الإنساني والميداني ، لا برفعه الى حد الالوهية وإلى مرتبة تستحيل معها المحاسبة .
 الخاتمة :
 الوفاء السياسي الحقيقي
​لا تكمن المشكلة في وجود قادة يمتلكون كاريزما وشعبية ، بل في تحوّل هذه الشعبية إلى حصانة تُغلّف الفشل ، وتمنع مراجعة السياسات .
والتقدير الحقيقي للرموز الدينية و الوطنية والحزبية يكمن في حفظ مكانتهم دون منحهم عصمة ، وفي تغليب لغة العقل ومصلحة الوطن والمؤسسة على صورة الفرد .
و​حين تصبح مراجعة القرارات السياسية انتقاصاً من الرمز ، نكون قد قدمنا “الصورة” على “المشروع”، والولاء الأعمى على الحقيقة .
 وعندها لا يعود السؤال السياسي :
 هل أخطأ الزعيم ؟
بل : هل يمتلك المجتمع والحزب الشجاعة الفكرية للاعتراف بهذا الخطأ وتصحيحه ؟
​
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *