غرقت أوروبا لعقود طويلة في وعود “العولمة” الشاحبة، والتي رُوِّج لها كـ “عصا موسى” لحل أزمات الاقتصاد العالمي والإعلان عن “نهاية التاريخ”، وذلك تحت شعارات التنمية المفتوحة والحرية المطلقة لما يُسمى “السوق الحر”. وانقادت النخب الاقتصادية والسياسية في القارة خلف هذه التوجهات، مدعيةً أن الغرب يؤسس لنموذج مستدام يجمع بين الازدهار والتنوير ودولة الرفاه الاجتماعي. غير أن الانقلاب الترامبي أطلق شرارة أزمة اقتصادية كشفت أن مسار العولمة كان منحرفاً في أساسه، وأن الأزمة كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول إلى بيئة استقطاب حادة، تدفع أوروبا وشركاتها اليوم ثمنها من قدرتها التنافسية واستقلالها الاستراتيجي.
بدأت مسيرة العولمة هذه بإغراء القواعد الصناعية الأوروبية بمرونة خفض التكاليف ونقل خطوط الإنتاج إلى الخارج، مع التخلي التدريجي عن أطر الحماية الوطنية لصالح شبكات التوريد العابرة للقارات. ومع الوقت، تخلت قطاعات واسعة من الرأسمالية الأوروبية عن التزاماتها الاجتماعية المباشرة، لتندمج في رؤوس أموال عابرة للحدود تبحث فيها المؤسسات عن الربح السريع، وهو ما أسفر بمرور العقود عن تراجع البنية التصنيعية الداخلية للقارة وفقدانها لسيادتها التقنية والفنية المباشرة.
ففي الوقت الذي خضعت فيه معظم دول العالم المستهلكة لشروط الموارد المفتوحة، تحولت هيمنة أسواق الطاقة والسياسات الحمائية إلى أداة ضغط وتوجيه اقتصادي مباشر؛ حيث برز تحول دقيق في علاقات حلف الأطلسي، تجسد في تحوّل الشراكة المفتوحة تدريجياً إلى مسار من “الاستنزاف الأطلسي” الأحادي. وهو المفهوم الذي ناقشه نقاد الاقتصاد السياسي—ومنهم المفكر “ديفيد هارفي” في أطروحاته حول الإمبريالية الجديدة—عند قراءتهم لآليات إعادة توزيع الثروة وإضعاف المراكز التصنيعية الموازية في أوقات الأزمات. وهنا يتجلى درسٌ تاريخيٌّ مهم في سلوك النخب السياسية، مفاده: أن وقوع القيادات في آفة “العمى السياسي واللذة المفرطة” وتجاهل تحذيرات المفكرين الحريصين على بلدانهم ليس حصراً على شعوب بعينها—كما شهدنا في أزمات تاريخية متكررة واجهت النخب في التجربة الكُردية مثلاً عبر المراهنة على الخارج وتجاهل عقلائها—بل إن النخب الأوروبية نفسها تقع اليوم في العقلية ذاتها عبر إغفال نصائح مفكريها والانجرار خلف الحليف الخارجي.
لكن الأنانية الأمريكية تجاوزت تلك النقاشات النظرية لتصبح أكثر وضوحاً للعيان؛ إذ تتصدر شخصية “ترامب” الواجهة كالقائد الذي يخشاه حلفاؤه أكثر من أعدائه، حتى وصل الأمر بالعواصم الأوروبية اليوم إلى الوقوع تحت ضغط الرسوم الجمركية المباغتة، والتهديد برفع مظلة الحماية الأمنية، والتنافس الضريبي الشرس الذي يهدف إلى امتصاص رؤوس الأموال الأوروبية ونقلها إلى الداخل الأمريكي.
تضع هذه المتغيرات القارة الأوروبية في موقف يُعيد إلى الأذهان معادلة “التخلي الاستراتيجي” التي واجهها الكُرد عبر التاريخ؛ حيث تُستخدم التحالفات والشعارات الكبرى كغطاء مرحلي تفرضه أولوية المصالح، حتى إذا ما تداخلت الحسابات الدولية، تُرِك الحلفاء لمواجهة التضخم وتفكيك قواهم الذاتية بمفردهم. فبعد سنوات من الاعتقاد بأن الشراكة الأطلسية تمثل مظلة أمان دائمة، تجد القطاعات الصناعية الأوروبية—وخاصة الألمانية والفرنسية—نفسها اليوم أمام أزمة طاقة خانقة وارتفاع متزايد في تكاليف الإنتاج، بالتوازي مع تشريعات أمريكية تشجيعية تدفع الشركات لنقل استثماراتها ومصانعها نحو “جنات ترامب”.
أدى هذا التحول إلى الضغط المباشر على نموذج “دولة الرفاه الاجتماعي” داخل القارة؛ فعندما تُستنزف الموارد المالية في صراعات ومواجهات خارجية، يُصبح المواطن البسيط هو الطرف الأضعف والضحية الأولى في المعادلة. وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ ففي الوقت الذي تطمح فيه الشريحة العظمى من الشعوب والقوى التحررية حول العالم (باستثناء تيار الإسلام الراديكالي) إلى اتخاذ التجربة الأوروبية نموذجاً ومثالاً يُقتدى به في العدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان—في حين تترقب الأنظمة المستبدة وحكامها تحولات هذه التجربة خشية أن تطالب مجتمعاتهم بالحقوق والمكتسبات الديمقراطية ذاتها—تتخلى بعض النخب الأوروبية بدم بارد عن هذا الإرث التنويري. وما تشهده باريس وعواصم أوروبية أخرى اليوم من حراك واحتجاجات حادة ليس بسبب التدافع الديمغرافي أو ذريعة “الخلفية المهاجرة” التي تتذرع بها الأحزاب الشعبوية، بل هو انعكاس لخلل بنيوي وصادم أحدثته العولمة نفسها؛ إنه صدام بين الشارع المتضرر من غلاء المعيشة والتضخم بسبب احتكار الغاز والنفط، وبين نخب سياسية ورأسمالية جردت بلادها من مقومات الاستقلال الاقتصادي.
ولعل المناورات والمفاوضات الأمريكية-الروسية هي البُعد الأشد خطورة في السياسة الأمريكية الحالية؛ إذ تُستغل لإدامة الصراع ودفع بوتين نحو المزيد من التهور، بغية إرغام أوروبا على الانخراط المباشر وتعميق ارتهانها. فمن جهة، يتعين على موسكو أن تدرك الأبعاد الحقيقية لسياسات ترامب وألا تقع في فخ المراهنات التكتيكية؛ ومن جهة أخرى، يجب على أوروبا أن تدافع عن مصادر طاقتها الرخيصة وعن استقلاليتها، وألا تدع نفسها ضحية لنخب مستفيدة تتسارع لإخفاء الحقيقة عبر إلقاء اللوم على المهاجرين وتجاهل بناء سياسة خارجية واقتصادية مستقلة. إن استمرار هذا الانصياع الأوروبي الأعمى لن ينتهي بتخلي واشنطن عن حلفائها لمواجهة مصيرهم وحيدين في نظام دولي لا يحترم إلا الأقوياء والمستقلين فحسب، بل سيذهب إلى أبعد من ذلك؛ ليجر العالم برمته نحو الهاوية.

