إيران وأمريكا ..حتمية الحرب من عدمه –  عبد الخالق الفلاح

مع تصاعد كلفة المواجهة  المباشرة واحتمالات انزلاقها إلى صراع إقليمي واسع  فلم تعد واشنطن تطرح أهدافًا كبرى، مثل إسقاط النظام الإيراني أو القضاء الكامل على قدراته الاستراتيجية، في الوقت الحالي بل أصبح التركيز منصبًا على احتواء التهديدات الأكثر إلحاحًا، وعلى رأسها تأمين تدفقات الطاقة، وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، خاصة مضيق هرمز، ومن المهم ان التداعيات العالمية المترتبة على اي عمل عسكري امريكي في الوقت الحالي يستدعي ادراك الاسباب الجوهرية والاهداف الاستراتيجية الكاملة وراء اي خطوة او قرار للحرب  واستقراء البيئة الدولية وجذور الصراع بين الاطراف ودوافعها ومصالحها لما سوف ينتج من هذا الصراع ، ترامب الرئيس الامريكي المتحرر من كل شيء:حيث لا قيم أخلاقية و لا قواعد قانونية ولامبادئ سياسية ولاعلاقات دولية، ولا تحرك إلا الشهية التوسعية الاستيلائية و الحرب المعلن لم يعد فيها اعاقة القدرات النووية، كما تردد وسائل الإعلام، فقد سمى نتنياهو  القضاء على النظام في إيران هدفًا رئيسيًا، من خلال تعدد المسارات التي تحرك من خلالها مع الكيان الصهيوني في محاولة للتأثير في مستقبل الجمهورية الاسلامية الايرانية، بين خطط عسكرية هدفت إلى استغلال تحركات داخلية التي لم تجدي نفعاً وقوات كردية مع بدايات اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الثانية على إيران، أخذت تصدر بعض التصريحات والتقارير حول جهود ومخططات أمريكية إسرائيلية لتحريك تمرد كردي طرفي في إيران يساهم في إسقاط النظام الإيراني ويحفّز أقليات أخرى على السير على حذو الأقلية الكردية. غير أن تلك الضجة التي أثيرت في أيام الحرب الأولى سرعان ما تلاشت مع تعقّد الحرب وتحولها إلى أزمة عالمية و ما زالت تبعاتها تتصاعد مع استمرار الحرب، ولكن تراجع الضجة التي أثيرت حول الأكراد لا تنبع فقط من تعقيد مسارات الحرب نفسها بل و وعي اكثرية الشعب الكردي الذي افشل تلك الخطوات، و من طبيعة الرهان الأمريكي الإسرائيلي نفسه على الأقلية الكردية وسوء التقدير الذي رافق الحرب من بداياتها. ان لاشك فيه التعويل الإسرائيلي على الأكراد على وجه الخصوص يعود لعدة عوامل منها أنه بالمقارنة مع أقليات أخرى في المنطقة، لا سيما في إيران، فإن  لان العلاقات مع بعض الانشطة الماجورة لها امتداد تاريخي، وتتقاطع في مستويات أقرب للتحالف المعزز بالدعم العسكري والاستخباراتي ، وذلك في ظل وجود علاقات سياسية متينة مع بعض القيادات، ووجود حراك قومي مسلح على الأرض، و رغبة كامنة لتشكيل دولة والاستقلال عن الأنظمة عند تلك الانشطة، وظروف مواتية من حروب وتوترات لازالت تجعل الاستثمار في العلاقة معهم ممكنا. ولكن مشاريع تأثير دولية وخاصة الدول التي فيها نسب معينة منهم لا تقبل بمثل هذا التعامل، قبل أن تواجه تلك الجهود عوائق سياسية عملياتية حالت  دون تحقيق الأهداف التي وضعتها القيادة الإسرائيلية كما كانت تعتقد واهمها إسقاط النظام الإيراني كهدف سهل يمكن تحقيقه وربطه بالقضاء على القيادة  ومنع إعادة بناء’ البرنامج النووي’ ومحور حلفاء إيران ، ونية نتنياهو ليست جديدة فقد سمى عمليته السابقة الاسد الناهض ودعا الشعب الايراني مرارا الى الثورة على النظام وفشل ذلك الخطاب، وهو ما  ردده معه ترمب في اكثر من تصريح علني في الوقت الذي  يُعد الصراع الأمريكي-الإيراني أحد أبرز أنماط التفاعلات الصراعية المركبة في النظام الدولي المعاصر، حيث يتجاوز كونه مواجهة ثنائية تقليدية ليعكس تشابكًا معقدًا بين الأبعاد الإقليمية والدولية، وتداخلًا بين أدوات القوة الصلبة والناعمة. فمنذ عقود، تشكلت العلاقة بين واشنطن وطهران على أساس من التنافس الاستراتيجي الحاد، المدفوع بتعارض المصالح في قضايا النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة، وطبيعة النظام السياسي في الشرق الأوسط ،أمريكية  في الاونة الاخيرة وحسب التقارير توصلت إلى استخلاصات مهمة تدعم الدعوة إلى «احتواء إيران» بدلًا من المواجهة معها، وانتهاج سياسات جديدة كفيلة بخلق قناعات إيرانية بأن استمرار خيار المواجهة مع واشنطن يتعارض مع الطموحات والمصالح الإيرانية، وأنه قد حان الوقت للإدارة الأمريكية للاعتراف بالحقيقة ولكن الجمهورية الاسلامية الايرانية غير مقتنعة بأي مورد تطرحه واشنطن بسبب عدم الثقة بتلك الخطوات لعدم التزام الولايات المتحدة المواثيق والتعهدات والاتفاقات الدولية السابقة وعلى التجارب السيئة لأمريكا خارج حدودها ،و اذا كان نتنياهو قد نجح فى توريط الولايات المتحدة فى العدوان على إيران تحت زعم أن إيران تمثل «تهديدًا عاجلًا» للأمن والمصالح الأمريكية، فإنه سعى في الاسابيع الماضية إلى توريط الولايات المتحدة مجددًا فى الحرب على إيران بزعم أن إيران لديها مخطط لاغتيال الرئيس الأمريكى فى أثناء مشاركته فى قمة حلف الأطلسي الأخيرة فى تركيا. ان الترجيح يواجه بقناعات أمريكية بالأساس وربما تكون إيرانية مصرة على شروطها السبعة أيضًا، ومدعومة من القوى الإقليمية والدول العربية الخليجية للدفع بخيارات بديلة تحول دون العودة إلى «المواجهة» التى يراها كثيرون قد تكون أضحت خارج سياق الواقعية.إسرائيل سعت ومازالت تسعى لإفشال المسار الدبلوماسى والعودة بالولايات المتحدة إلى خيار الحرب من أجل «إكمال المهمة» التى تعنى إسقاط النظام فى إيران وإخراج إيران نهائيًا من معادلة التنافس الإقليمى و.تخشى أوروبا من أن يؤدي أي تصعيد عسكري واسع إلى تهديد مصالحها الحيوية المرتبطة بأمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة الدولية، وأمن الحلفاء في منطقة الخليج. كما تسعى بعض الدول الأوروبية إلى لعب دور في احتواء التصعيد، سواء عبر الجهود الدبلوماسية أو من خلال التعاون العسكري مع شركائها الإقليميين.

 عبد الخالق الفلاح   – باحث واعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *