تزخر الذاكرة الفنية العراقية بأسماء لامعة أسهمت في إثراء الموسيقى والغناء ، وتركت بصمات واضحة في مسيرة الفن العراقي ، ومن بين هذه الأسماء فنانون ومطربون ينحدرون من أصول كوردية فيلية ، ارتبطت حياتهم بمدينة خانقين ونواحيها ، وانطلقوا منها أو من محيطها إلى رحاب الشهرة والانتشار
وفي هذه الحلقة الرابعة من سلسلة ( أعلام الفن والغناء من الكورد الفيليين في قضاء خانقين ) ، نسلط الضوء على سيرة فنانين تركا أثرًا في الأغنية العراقية ، هما المطرب الراحل صلاح عبد الغفور ، المعروف بأدائه المتميز للأغاني التراثية والمقامات العراقية ، والمطرب الراحل جلال خورشيد ، الذي اشتهر بأغانيه باللهجة العراقية وحقق حضورًا جماهيريًا في العراق وعدد من البلدان العربية .
المطرب الراحل صلاح عبد الغفور
وُلد الفنان والمطرب صلاح عبد الغفور في الأول من كانون الثاني عام 1953 في ناحية السعدية ، التي كانت تُعرف باسم ( قزربات ) حتى عام 1949 ، وهي إحدى نواحي قضاء خانقين الكوردية الواقعة ضمن المناطق المتنازع عليها . وينحدر الفنان من أصول كوردية ، وقد أصبح من الأصوات المعروفة في الأغنية العراقية ، ولا سيما خلال ثمانينيات القرن الماضي .
بدأت رحلته الفنية مبكرًا ، ففي عام 1961 ظهر عبر الإذاعة والتلفزيون من خلال برنامج ( ركن الهواة ) ، وفي عام 1973 انضم إلى الفرقة القومية للفنون الشعبية ، وأصبح عضوًا في فرقة الإنشاد العراقية ، وشارك في عدد من المهرجانات والاحتفالات داخل العراق وخارجه .
وفي عام 1977 التحق بمعهد الدراسات النغمية ، حيث تخصص في غناء المقام العراقي والعزف على آلة الكمان ، وبعد تخرجه ، انضم إلى فرقة التراث الموسيقي العراقي التي أسسها الموسيقار العراقي ( منير بشير ) الأمر الذي أتاح له فرصة أوسع للتعمق في التراث الموسيقي العراقي وتقديمه بأسلوب فني متميز .
مسيرته الفنية وأبرز أعماله
برز اسم صلاح عبد الغفور بصورة واضحة خلال ثمانينيات القرن الماضي ، من خلال أدائه للأغاني العراقية التراثية ، واستقطب اهتمام الجمهور بأدائه عددًا من أغاني الفنان الكبير ناظم الغزالي . كما تخصص في غناء المقام العراقي ، واستطاع أن يحقق شهرة عربية من خلال تعاونه مع النجم العالمي ( إبراهيم تاتليس ) في أغنية ( شلونك عيني شلونك )
ومن أشهر أغانيه ( حلوة يالبغدادية ) ، و ( مدلل الشكرة ) ، و ( يا هله يم الوردة ) . كما قدم عددًا من المقامات والأغاني الطويلة ، من بينها: ( لا تلوموني ) ، و ( خسرتك يا حبيبي ) ، و ( الورد ) ، و ( بس تعالوا ) ، و ( شنسى منك ) و ( بغداد يا بغداد – اغنية وطنية ) و ( العب يالاسمر – اغنية رياضية ) .
وخلال مسيرته الفنية ، سجل أكثر من 300 أغنية وطنية وعاطفية ، إلى جانب مجموعة من المقامات والمواويل باللغات العربية والكوردية والتركية ، وفقًا للمعلومات الواردة في سيرته . كذلك شارك مع الفرقة القومية للفنون الشعبية في مهرجانات عربية وآسيوية وأوروبية وأفريقية ، وقدم أغاني من تراث شعوب مختلفة بلغاتها ، ومنها أغاني في اليابان وروسيا والهند . كما تشير المعلومات المتداولة عن مسيرته إلى حصوله على المرتبة الأولى ونيله درع أحد المهرجانات التي شارك فيها في اليابان
في عام 2005 استقر صلاح عبد الغفور في سوريا ، حيث قدم عددًا من الأغاني وشارك في مهرجان فني أُقيم في دمشق . ومن الأعمال التي لفتت الأنظار آنذاك أداؤه أغنية ( يا ليتنا عرب شمر ) باللهجة الشامية وعلى أنغام الدبكة الشامية ، الأمر الذي أسهم في تعزيز شهرته بين الجمهور السوري .
وبعد عودته إلى العراق ، استقر في مدينة أربيل ، حيث انتهت رحلته الفنية والحياتية بصورة مأساوية . ففي السابع من نيسان عام 2013 تعرض لحادث سير قرب مطار أربيل الدولي ، وفارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى .
رحم الله الفنان صلاح عبد الغفور، وأسكنه فسيح جناته ، وجعل ما قدمه من أعمال فنية وتراثية جزءًا باقيًا من ذاكرة الأغنية العراقية .
المطرب الراحل جلال إبراهيم خورشيد
جلال إبراهيم خورشيد ، المعروف فنيًا باسم ( جلال خورشيد ) مطرب عراقي من أصول كوردية ، وُلد عام 1970 في مدينة شهربان ، المعروفة اليوم باسم المقدادية ، وبحسب ما صرح به في إحدى المقابلات ، فإن شهربان هي مسقط رأسه ، خلافًا لما ورد في بعض المصادر التي نسبت ولادته إلى مدينة كركوك .
يُعد جلال خورشيد من المطربين الذين برزوا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته ، وتمكن من بناء قاعدة جماهيرية واسعة ، كما أصبح مطربًا معتمدًا لدى إذاعة وتلفزيون بغداد .
قدم جلال خورشيد عددًا كبيرًا من الأغاني العراقية في المناسبات والاحتفالات التي أُقيمت في محافظات جنوب العراق ، ومنها البصرة والعمارة والناصرية والكوت. كما شارك في مهرجان بابل الدولي ، حيث لاقت أعماله استحسانًا وانتشارًا بين الجمهور العراقي .
وخلال الفترة الممتدة من عام 2003 إلى عام 2006 توقف عن الغناء في بغداد ، وسافر إلى سوريا والأردن ولبنان وتركيا ، حيث قدم عددًا من الأغاني المصورة وشارك في حفلات فنية . ثم انتقل إلى الكويت والإمارات العربية المتحدة، وحققت أغانيه انتشارًا لدى الجمهور الخليجي ، ولا سيما في الكويت .
وبعد ذلك ، انقطعت أخباره عن العراق نحو عشر سنوات ، إلى أن عاد عام 2014 واستقر في مدينة السليمانية ، حيث واصل نشاطه الفني وقدم أغاني عربية بألحان عراقية .
أبرز أغانيه وملامح تجربته الفنية
قدم جلال خورشيد خلال الفترة الممتدة من عام 1994 إلى عام 2014 عددًا من الأغاني التي لاقت رواجًا بين محبيه ، ومن أبرزها : ( ما تنام مصابحة عيني ) ، و ( هانت حبيبي ) ، و ( في داخلك شي ) ، و ( مشيت على مرامك ) ، و ( ماني قادر ) ، و ( فارقوني ) ، و ( شنسي منهم ) ، و ( امسك أعصابك ) ، و ( ياما تعذبت ) ، وغيرها من الأغاني .
وتشير المعلومات الواردة في سيرته إلى أنه قدم نحو 150 أغنية ومقامًا حتى عام 2014، وهو ما يعكس حجم نشاطه الفني وتنوع إنتاجه خلال سنوات عمله .
ومن الجوانب اللافتة في تجربته الفنية أنه ، على الرغم من انحداره من أسرة كوردية من جهة الأب والأم، ونشأته في مدينة شهربان ذات الجذور الكوردية ، ثم استقراره في مدينة السليمانية بعد عودته من الغربة ، فإن أعماله الغنائية ، بحسب المعلومات المتاحة في هذا التوثيق ، كانت باللغة العربية وباللهجة العراقية ، ولم يُعرف عنه تقديم أغنيات باللغة الكوردية .
في الثالث عشر من كانون الأول عام 2016 ، توفي المطرب جلال خورشيد في محافظة السليمانية إثر نوبة قلبية مفاجئة ، تاركًا وراءه مجموعة من الأغاني التي ارتبطت بذاكرة جمهوره ومحبي الأغنية العراقية .
رحم الله الفنان جلال خورشيد ، وغفر له ، وجزاه خيرًا على ما قدمه من عطاء فني .
إن استذكار سيرة الفنانين صلاح عبد الغفور وجلال خورشيد ليس مجرد استعراض لمحطات حياتهما وأعمالهما الغنائية ، بل هو جزء من الوفاء لذاكرة الفن العراقي ، وتوثيق لإسهامات أبناء المناطق الكوردية ، وفي مقدمتها خانقين وشهربان ونواحيهما ، في بناء المشهد الموسيقي والغنائي العراقي .
لقد سلك كل من الفنانين طريقًا فنيًا مختلفًا ، فتميز صلاح عبد الغفور باهتمامه بالمقام العراقي والتراث الغنائي وتقديمه على مسارح ومهرجانات دولية ، بينما عرف الجمهور جلال خورشيد بأغانيه العراقية التي حققت انتشارًا واسعًا داخل العراق وخارجه .
وتبقى هذه السير الفنية شاهدًا على التنوع الثقافي والإبداعي الذي يميز العراق ، وعلى الدور الذي أداه الفنانون من مختلف مكوناته في إثراء تراثه الموسيقي . ومن هنا تأتي أهمية مواصلة البحث والتوثيق ، وجمع المعلومات والصور والتسجيلات المتعلقة بهؤلاء الفنانين ، لتكون مادة موثوقة للأجيال القادمة ، تحفظ أسماءهم وأعمالهم من النسيان ، وتمنحهم المكانة التي يستحقونها في تاريخ الفن العراقي .
رحم الله الفنانين الراحلين، وجميع رواد الفن العراقي ، وأسكنهم فسيح جناته ، وأبقى تراثهم حيًا في وجدان محبي الموسيقى والغناء
المصادرو المراجع : 1 – الفنان صلاح عبد الغفور صوت عراقي حمل المقام 7 / 5 / 2013 جريدة الزوراء العراقية 2 – السيرة الذاتية للفنان العراقي صلاح عبد الغفور 13 / 6 / 2014 المنتديات – يوتيوب 3 – تكريم للمطرب العراقي الراحل صلاح عبد الغفور 17 / 4 / 2024 صحيفة الخليج – يوتيوب 4 – وفاة الفنان العراقي صلاح عبد الغفور في حادث سير باربيل 8 / 4 / 2013 العربية 5 – صلاح عبد الغفور .. رحيل مبكر وصوت لا ينسى 18 / 8 / 2024 الزمان 6 – نجوم منسية .. جلال خورشيد رشيد – 4 / 11 / 2022 تراث بغدادية – فيس بوك 7 – جلال خورشيد – 1970- 2016 موقع واي باك افشين – 2017 – اليوتيوب 8 – رحيل المطرب الشاب جلال خورشيد لعمر 40 عاما ” السومرية 18 / 12 / 2016 – اليوتيوب . 9 – جلال خورشيد – ويكيبيديا – الموسوعة الحرة . 10 – وفاة الفنان جلال خورشيد في مدينة السليمانية ” 13 / 12/ 2016 رووداو – اربيل .

