زلزال جيوسياسي في 24 ساعة: كيف تتهاوى أوراق الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية؟- حيدر حسين سويري

 

 

   في تحولات دراماتيكية متسارعة، شهد المشهد الدولي والإقليمي خلال أربع وعشرين ساعة فقط سلسلة من الهزات السياسية والعسكرية العميقة التي استهدفت مباشرة دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب. لم تكن هذه الأحداث مجرد إخفاقات عابرة، بل مثلت ضربات متتالية أعادت رسم خريطة النفوذ الدولي، وكشفت عن هشاشة غير مسبوقة في التحالفات التي رُسمت بعناية لخدمة أجندات الهيمنة الإقليمية والدولية.

 

  1. البرازيل: سقوط “الجائزة الكبرى” وسقوط الرهانات الأمريكية

كان الرهان الأمريكي-الإسرائيلي على الساحة البرازيلية كبيراً باعتبارها البوابة الأهم للسيطرة على أمريكا اللاتينية عبر دعم مرشح اليمين المتطرف “فلافيو بولسونارو”. استخدمت في هذه المعركة أدوات ضغط غير تقليدية شملت التعبئة الإعلامية المكثفة، والتضييق الرقمي على منصات الرئيس الحالي “لولا دا سيلفا”، وصولاً إلى قطع شبكات المواصلات يوم الانتخابات لتعطيل وصول الطبقات الفقيرة إلى صناديق الاقتراح.

   إلا أن الإرادة الشعبية جاءت مدوية؛ فقد تحدى ملايين البرازيليين العراقيل ونزلوا سيراً على الأقدام في ملحمة انتخابية أعادت لولا دا سيلفا (البالغ من العمر 80 عاماً) إلى سدة الحكم لولاية رابعة بنسبة بلغت 51.8%. ولم يقتصر الأمر على الفوز الانتخابي، بل رافقته مواقف سياسية حاسمة تمثلت في التضامن العلني مع القضية الفلسطينية، وسحب السفير من تل أبيب، ورفض تحويل البرازيل إلى تابع للأجندات الأجنبية.

 

  1. صربيا: انتفاضة الطلاب تطيح بالحصن اليميني في أوروبا

لم تكد الدوائر الغربية تستوعب صدمة البرازيل، حتى تلقى المعسكر اليميني ضربة موجعة أخرى من قلب أوروبا. ففي صربيا، كان الحاكم الشعبوي “ألكسندر فوتشيتش” يعتمد على تحالفات استراتيجية ضخمة مع إدارة دونالد ترامب وصفقات تسليح مع إسرائيل. دون مقدمات حزبية تقليدية أو تمويلات ضخمة، قاد جيل من الشباب وطلاب الجامعات حراكاً شعبياً جارفاً اجتاح القرى والمدن الصربية. هذا التنظيم العفوي نجح في إحداث وعي جمعي أطاح بحسابات السلطة، ليخرج فوتشيتش معترفاً بالهزيمة فور إغلاق صناديق الاقتراح. وبهذا السقوط، تبخرت مشاريع التعاون العسكري والاستراتيجي التي كانت تعول عليها تل أبيب في الساحة الأوروبية.

 

  1. تل أبيب: تمرد عسكري غير مسبوق وتآكل شرعية نتنياهو

على الصعيد الداخلي الإسرائيلي، تفجرت الأزمة الأكبر التي مست أصل مؤسسة الحكم والعسكر. تشير المعطيات إلى اصطدام طموحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السياسية – الرامية لفتح جبهة حرب شاملة مع إيران ودولة عربية بغية الهروب من المحاسبة وتأجيل محاكمته – برفض قاطع من داخل المؤسسة العسكرية. تمثل ذلك في رفض رئيس الأركان الإسرائيلي “إيال زامير” تنفيذ أوامر مباشرة بشن هجوم موسع، مشترطاً تفويضاً خطياً وموقعاً من الحكومة بأسرها لتحمل المسؤولية القانونية والجنائية. هذا التمرد العلني يعكس أزمة ثقة عميقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، ويؤكد حالة التخبط والعزلة السياسية التي يعاني منها رأس الهرم في تل أبيب.

 

  1. طهران: هندسة أمن إقليمي بمعزل عن الوصاية الأجنبية

وفي الشرق الأوسط، جاء التطور الأبرز من العاصمة الإيرانية طهران، حيث هبطت طائرات عسكرية وفود رفيعة المستوى تضم وزير الدفاع السعودي، ورئيس المخابرات التركي، وقائد الجيش الباكستاني، لعقد اجتماعات مغلقة تحت مظلة “اتفاقية مكة”. جسدت هذه الاجتماعات توجهاً استراتيجياً إقليمياً نحو بناء منظومة أمن ذاتي تعتمد على دول المنطقة وتنهي أي تدخلات أو نفوذ أجنبي. وبهذا التحرك، انهارت المخططات التي لطالما اعتمدت على إثارة المخاوف البينية واستدامة التوتر لتبرير الوجود الغربي والهيمنة الإسرائيلية، لتثبت دول الإقليم قدرتها على صياغة تفاهماتها بمعزل عن واشنطن وتل أبيب.

 

بقي شيء…

تؤكد هذه الأحداث المتلاحقة في غضون ساعات معدودة أننا أمام منعطف تاريخي حاسم؛ فالاستراتيجيات التي بُنيت على مدار سنوات طويلة لتأمين مصالح المحور الأمريكي الإسرائيلي تتهاوى تباعاً، بدءاً من القارة الأمريكية مروراً بأوروبا وصولاً إلى العمق الشرق أوسطي، مما ينذر بمرحلة جديدة تتراجع فيها سطوة الأحادية القطبية لصالح توازنات إقليمية وعالمية جديدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *