﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(الروم: 21)
ما أجمل أن يبدأ الإنسان حياته الزوجية بفرحةٍ صادقة، تجمع الأهل والأصدقاء، وتفتح أمام العروسين بابًا جديدًا من الأمل والمودة والرحمة. فالزواج في جوهره ليس ميدانًا للتفاخر والمنافسة، وإنما هو بداية حياةٍ مشتركة، وسكنٌ ومودةٌ ورحمة .
وفي العراق نستذكر قديمًا حين كان إعلان الزواج يتم في البيوت، فيصبح العقد بركةً وطمأنينة، ثم يجتمع الناس ليتشاركوا الطعام في مشهد يفيض بالروح الجماعية والسكينة، وكأن الفرح كان يخص الجميع، لا بيتًا واحدًا. وأحيانًا كانت تُقام حفلة صغيرة يحييها «مجموعة تُسمّى الغجر»، وأحيانًا أخرى تحضر فرقة زُبيرية، فتتعالى أصوات الغناء وإيقاعات الطبول، ويشارك الأهل والجيران والأصدقاء فرحة العرس دون تكلف أو إسراف؛ فكانت البهجة تُصنع بما هو متاح، وتكبر بقلوب الناس، لا بحجم النفقات.
وكانت الدعوات تُحمل من بيت إلى بيت، في صورة جميلة من التواصل والبساطة، ثم تطورت إلى الرسائل والبطاقات المطبوعة، حتى أصبحت في بعض الأحيان فخمةً ومزخرفة، فتحولت الدعوة ذاتها إلى جزء من الشكليات الاجتماعية
وكان عقد القِران يتم على يد السيد أو الشيخ، غالبًا إمام المسجد، ببساطة ووقار. أما اليوم، فقد أصبح اختيار من يعقد القِران مرتبطًا أحيانًا بالشهرة والوجاهة والمكانة الاجتماعية، وكأن حتى عقد الزواج لم يسلم من سباق المظاهر
أما الولائم، فكانت قديمًا مأدبة عشاء بسيطة تُقام في بيت العريس، ثم توسعت لتشمل الفواكه والحلوى، وانتقلت بعد ذلك إلى الساحات و«سُبُل» الجماعة، حتى أستقرت اليوم في القاعات الفخمة والبوفيهات والمطاعم. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى المطربين والجوبي والدبكات، ثم إلى حجز المزارع الكبيرة خارج المدن بما فيها من مساحات خضراء وقاعات ومسابح، وكل ذلك يضيف نفقاتٍ جديدة إلى كاهل المقبل على الزواج.
ولم يقتصر الأمر على الرجال، فالنساء لهن أيضًا قاعاتهن ومستلزماتهن ومظاهرهن الخاصة، حتى أصبح حضور المناسبة يُقاس أحيانًا بالمناصب والوجاهة، لا بالمحبة والمودة.
وقد يرى بعضهم أن هذه المظاهر حرية شخصية، وهذا حق ما دامت في حدود المعقول، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى عُرفٍ اجتماعي ضاغط، فيجد الشاب نفسه أمام مصروفاتٍ لا يستطيع تجاوزها خوفًا من كلام الناس ونظرتهم.
وهنا تتحول فرحة الزواج إلى عبءٍ مالي، وربما يبدأ الزوج حياته مثقلًا بالديون من أجل ليلةٍ واحدة. ومن المؤسف أن تصبح ليلة الفرح بدايةً للقلق، بدل أن تكون بدايةً للاستقرار.
ولعلنا لا نرفض الفرح، ولا نريد أن نعيد الزمن إلى الوراء، فلكل جيل أسلوبه في التعبير عن سعادته، ولكننا نرفض أن تتحول العادة إلى عبء، وأن يصبح التقليد الأجتماعي أقوى من قدرة الإنسان. فكم من شابٍ أخّر زواجه، أو بدأ حياته الزوجية مثقلًا بالالتزامات، فقط لأنه أراد أن يقيم عرسًا يرضي الناس. وهل يذكر الناس بعد سنواتٍ نوع الطعام، وفخامة القاعة، وعدد المدعوين؟ أم تبقى في الذاكرة أخلاق الزوجين، ومحبتهم، وحسن معاشرتهم؟
ليسَ الزواجُ لِشهوةٍ ومظاهرٍ
إنَّ الزواجَ سكينةٌ وطُهورُ
ما جاءتِ الأعراسُ كي نشقى بها
بل كي يسودَ أُلفةٌ وسرورُ
إن البركة في الزواج تُقاس باليُسر، وما الحفل إلا تعبير عن الفرح، وليس معيارًا لنجاح الحياة الزوجية. وليس من العيب أن يكون العرس بسيطًا، بل ليس من الحكمة أن يبدأ الإنسان حياته بدَينٍ لإرضاء الآخرين.
ومن هنا يأتي دور الدولة، والجمعيات التعاونية، ومنظمات المجتمع المدني، في مساعدة الشباب من خلال التمويل الميسّر، والقروض المناسبة، وتشجيع الأعراس الجماعية، وتوفير مستلزمات الزواج بأسعارٍ معقولة. كما أن على المجتمع أن يراجع بعض عاداته، وألا يحوّل العرس إلى اختبار لقدرة الإنسان المالية.

