العراقي بين وطنٍ يُتَّهم بحبّه ووطنٍ يبحث عنه- جورج منصور

 

يدور في العراق سجال لا يكاد ينتهي حول سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في دلالاته: هل ما زال العراقي يحب وطنه، أم أن انتماءاته الدينية والطائفية والقومية، وما ارتبط بها من ولاءات سياسية وإقليمية، قد أضعفت شعوره بالانتماء إلى الدولة والوطن؟

يرى فريق أن العراقي، ولا سيما بعد عام 2003، فقد جانباً أساسياً من هويته الوطنية، وأن صعود القوى السياسية الدينية، واتساع نفوذ الأحزاب الطائفية، وتعاظم التأثير الإيراني في القرار العراقي، أسهمت مجتمعة في نقل مركز الولاء من العراق إلى دوائر أضيق أو إلى مرجعيات تتجاوز حدوده. وفي هذه القراءة، لم تعد المشكلة مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت أزمة انتماء تتصل بمن يملك حق تعريف الوطن، ومن يحدد أولويات الدولة، ولمن تكون الطاعة حين تتعارض المصلحة الوطنية مع مقتضيات الولاء الديني أو الحزبي أو الإقليمي.

وفي المقابل، يرى فريق آخر أن العراقيين لم يفقدوا حبهم لوطنهم، وأن ما أصاب هويتهم الوطنية لم يكن نتيجة عقائدهم أو مذاهبهم بقدر ما كان ثمرة عقود من الاستبداد والحروب، ثم انهيار الدولة، وفساد النظام السياسي الذي نشأ بعد 2003. فالمواطن، وفق هذه القراءة، لم يتخلَّ عن العراق، وإنما وجد نفسه أمام دولة لا تمنحه ما يكفي من الأمن والعدالة والكرامة، ولا تتيح له أن يشعر بأنه مواطن متساوٍ مع الآخرين. وحين تتراجع الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، تتقدم الهويات الفرعية لتملأ الفراغ، لا بالضرورة لأنها أقوى من الهوية الوطنية، بل لأن أصحابها يجدون فيها ما عجزت الدولة عن توفيره.

في كلتا الروايتين جانب يستحق النقاش، لكن كلاً منهما يصبح مضللاً حين يتحول إلى تفسير شامل، أو حين يُستخدم لإدانة جماعة اجتماعية بأكملها وتبرئة أخرى. فالمشكلة العراقية لا يمكن اختزالها في مذهب، كما لا يمكن فهمها بمجرد إلقاء المسؤولية على فساد الطبقة السياسية أو التدخلات الخارجية. إنها أزمة مركّبة تتداخل فيها الهوية مع السلطة، والعقيدة مع المصالح، والتاريخ مع الحاضر، وشعور المواطن بوطنه مع تجربته اليومية مع الدولة.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نبدأ منه ليس: هل يحب العراقي وطنه؟ بل: ما الذي يجعل هذا الحب ممكناً، وما الذي يدفعه أحياناً إلى التراجع أمام انتماءات أخرى؟

ماذا تقول الأرقام، وماذا لا تقول؟

تتيح استطلاعات الرأي نافذة مهمة لفهم التحولات التي طرأت على الهوية العراقية، لكنها لا تمنحنا حكماً نهائياً على مشاعر الناس، ولا يجوز تحميل نتائجها أكثر مما تحتمل.

فقد أشار تحليل لمعهد واشنطن، استناداً إلى استطلاعات المجموعة المستقلة للأبحاث، إلى أن 53% من العراقيين يضعون هوياتهم الفرعية، الدينية أو العرقية أو الطائفية، فوق هويتهم الوطنية. ويستند أصحاب الرأي القائل بتراجع الوطنية إلى مثل هذه المؤشرات للقول إن الانتماء إلى الجماعة بات يتقدم على الانتماء إلى العراق، وإن الدولة لم تنجح في ترسيخ هوية مشتركة تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والسياسية.

 

لكن قراءة هذه النسبة تحتاج إلى قدر من الحذر. فتقديم هوية على أخرى في إجابة عن سؤال استطلاع لا يعني بالضرورة انعدام الشعور بالوطنية، ولا يثبت وحده أن صاحب الإجابة مستعد لتقديم مصلحة جماعته على مصلحة بلاده في كل الظروف. فالهوية الإنسانية ليست طبقات منفصلة بالضرورة؛ إذ يستطيع الفرد أن يكون متديناً، ومنتمياً إلى طائفة أو قومية، ومخلصاً لوطنه في الوقت نفسه. وتبدأ المشكلة حين تتحول هذه الانتماءات إلى منظومات متنافسة على احتكار الولاء والسلطة والموارد، أو حين يُطلب من المواطن أن يختار بينها في لحظة تعارض حقيقية.

ثم إن المؤشرات الزمنية تقدم صورة أكثر تعقيداً. فبحسب البيانات المشار إليها في النقاش حول الهوية العراقية، ارتفعت أولوية الهوية الوطنية بعد هزيمة تنظيم داعش، وقال 58% من العراقيين في منتصف عام 2022 إنهم عراقيون قبل أي شيء آخر، قبل أن يتراجع هذا المؤشر لاحقاً.

وهنا تبرز دلالة مهمة: الهوية الوطنية ليست حالة ثابتة، ولا صفة تُمنح لشعب مرة واحدة ثم تبقى راسخة إلى الأبد. إنها تتأثر بالأمن، وبأداء المؤسسات، وبمدى الثقة بالدولة، وبقدرة المواطنين على رؤية مستقبل مشترك لأنفسهم ولأبنائهم.

عندما يواجه العراقيون خطراً يهدد وجودهم المشترك، أو يخوضون تجربة وطنية جامعة، قد يتقدم شعورهم بالانتماء إلى العراق. وعندما يعود الفساد، وتتراجع الخدمات، وتتعاظم هيمنة الأحزاب، ويشعر المواطن بأن حقوقه مرتبطة بوسيط سياسي أو طائفي، تتراجع ثقته بالدولة، وقد يجد نفسه مضطراً إلى الاحتماء بجماعته أو شبكته الاجتماعية.

لا تثبت هذه العلاقة وحدها أن تراجع الوطنية سببه فشل الدولة، لكنها تجعل من الصعب تفسير التحولات في الهوية بالعقيدة وحدها. فالعقائد لا تتبدل بالسرعة نفسها التي تتغير بها مؤشرات الثقة والأمل والخوف، بينما تتبدل مواقف الناس عندما تتغير ظروف حياتهم وتجاربهم السياسية.

تشرين: حين ظهر العراق من تحت الركام

قدمت احتجاجات تشرين عام 2019 دليلاً مهماً على أن الهوية الوطنية العراقية لم تختفِ، حتى في البيئات التي قيل إنها الأكثر ابتعاداً عنها.

فقد خرج آلاف الشباب في بغداد ومدن الوسط والجنوب، ورفعوا العلم العراقي، وطالبوا بوطن تتوافر فيه فرص العمل والخدمات والعدالة، وبنظام سياسي لا يحتكر فيه الحزب أو الجماعة أو السلاح مستقبل المواطنين. ولم تكن مطالبهم محصورة في تحسين الخدمات أو تغيير مسؤول بعينه؛ بل عبّر جانب أساسي منها عن رفض نظام سياسي شعر المحتجون بأنه صادر الدولة لمصلحة شبكات حزبية ومصالح خاصة.

وكان لافتاً أن قطاعات واسعة من المحتجين جاءت من البيئة الاجتماعية الشيعية نفسها التي تتصدر بعض الأحزاب الدينية المشهد السياسي باسمها. وهذه الحقيقة تضعف التعميم القائل إن الانتماء المذهبي يقود بالضرورة إلى تراجع الوطنية، وتكشف الفارق بين هوية الناس الاجتماعية وبين الخيارات السياسية التي تتبناها القوى المدّعية تمثيلهم.

فليس من المشروع افتراض أن ملايين المواطنين يتبنون مواقف الأحزاب التي تحكم باسمهم، أو أنهم يوافقون على كل ما يصدر عن مرجعيات دينية أو قوى إقليمية ترتبط بها بعض تلك الأحزاب. كما لا يصح اعتبار الطائفة كتلة سياسية واحدة، متجانسة في مصالحها ومواقفها وتصوراتها لمستقبل البلاد.

لكن تشرين، على أهميتها، تكشف أيضاً حدود الأمل. فقد استطاعت الاحتجاجات أن تنتج لحظة وطنية مؤثرة، لكنها لم تنجح في تحويل تلك اللحظة إلى بديل سياسي مستقر قادر على تغيير قواعد النظام. وأسهمت في ذلك عوامل متعددة، منها القمع، وضعف التنظيم، وتشتت القوى المدنية، وصعوبة الانتقال من الاحتجاج إلى بناء مؤسسات سياسية مستدامة.

وهنا يظهر درس بالغ الأهمية: الشعور الوطني، مهما كان صادقاً وقوياً، لا يتحول تلقائياً إلى دولة وطنية. فالوطنية التي لا تجد تعبيراً في تنظيم سياسي فاعل، ومؤسسات مستقلة، وقوانين عادلة، وآليات للمساءلة، تظل عرضة للتراجع أو الاحتواء أو الاستنزاف.

ومن الخطأ، لذلك، أن نستشهد بتشرين لإثبات أن الأزمة انتهت، مثلما أنه من الخطأ أن نتجاهلها لإثبات أن العراقيين فقدوا وطنيتهم. لقد كشفت الاحتجاجات عن وجود طاقة وطنية حقيقية، لكنها كشفت كذلك عن عجز النظام السياسي عن استيعابها وتحويلها إلى إصلاح مؤسسي.

ما الذي يغيب عن السجال؟

ثمة ثلاثة اختزالات أساسية تفسد النقاش حول الوطنية العراقية.

أولاً: اختزال الأزمة في المذهب.

لا يمكن إنكار أن توظيف الانتماء الطائفي في بناء التحالفات السياسية وتوزيع المناصب والموارد أسهم في تعميق الانقسام. ولا يمكن كذلك تجاهل دور الأحزاب الدينية في إضفاء شرعية مذهبية على خيارات سياسية لا تخلو من المصالح الخاصة، أو في تقديم الولاء التنظيمي على مقتضيات المصلحة العامة.

لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يبرر الانتقال إلى اتهام مذهب بأكمله بضعف الوطنية أو الارتهان للخارج. فالمذهب ليس حزباً، والمجتمع ليس قيادة سياسية، والهوية الدينية لا تحدد وحدها موقف الفرد من السيادة أو الديمقراطية أو الدولة المدنية.

وإذا كان بعض الفاعلين السياسيين قد استخدموا الدين لتوسيع نفوذهم، فإن المسؤولية تقع على تلك القوى وممارساتها، وعلى المؤسسات التي سمحت لها بتحويل الانتماء الديني إلى مورد للسلطة، لا على كل من ينتمي إلى المذهب الذي ترفع شعاراته.

والأمر نفسه ينطبق على بقية المكونات العراقية. فليس كل كردي انفصالياً، ولا كل سني مؤيداً للقوى التي تتحدث باسمه، ولا كل شيعي تابعاً لإيران أو مؤيداً للأحزاب المرتبطة بها. إن التعامل مع المجتمعات بوصفها كتلًا متجانسة لا يؤدي إلى فهم الواقع، بل يعيد إنتاج الانقسامات التي نزعم أننا نريد تجاوزها.

ثانياً: اختزال الأزمة في الخارج

يمثل النفوذ الإيراني في العراق قضية سياسية وسيادية حقيقية، خصوصاً عندما يرتبط بالتأثير في القرار الأمني أو السياسي، أو بدعم قوى مسلحة لا تخضع خضوعاً كاملاً لسلطة الدولة، أو بتغليب مصالح إقليمية على المصالح العراقية.

لكن النفوذ الخارجي لا يعمل في فراغ. إنه يستفيد من ضعف المؤسسات، وانقسام النخب، واعتماد بعض القوى المحلية على الدعم السياسي أو المالي أو الأمني الخارجي. ولذلك فإن تفسير كل أزمة عراقية بإيران وحدها يمنح القوى المحلية فرصة للتنصل من مسؤوليتها، كما أن تجاهل النفوذ الإيراني باسم رفض الطائفية يفضي إلى النتيجة نفسها من طريق آخر.

الموقف الوطني المتماسك هو الذي يرفض التدخل في القرار العراقي من أي دولة، ويخضع العلاقات الخارجية لمعيار واحد: هل تخدم استقلال العراق ومصالح مواطنيه، أم تجعل قراره رهينة لحسابات الآخرين؟

ولا يتحقق هذا المعيار بتبديل محور خارجي بآخر، ولا بإعلان العداء لدولة لمجرد اختلافنا معها، بل ببناء دولة قادرة على اتخاذ قراراتها وفق مصالحها، والتفاوض مع جيرانها من موقع الندية، وإدارة علاقاتها الخارجية دون وصاية.

ثالثاً: اختزال الوطنية في المشاعر

كثيراً ما يُقاس حب الوطن بالشعارات والأعلام والخطابات، بينما يجري تجاهل السؤال الأهم: كيف ينعكس هذا الحب على سلوك الدولة ومؤسساتها، وعلى علاقة المواطن بها؟

قد يرفع المسؤول العلم العراقي في كل مناسبة، لكنه يشارك في نهب المال العام. وقد يتحدث عن السيادة، لكنه يقبل أن تكون قراراته خاضعة لجهة حزبية أو خارجية. وقد يرفع شعار الوحدة الوطنية، بينما يعزز المحاصصة التي تضمن بقاءه في السلطة.

في المقابل، قد لا يكون المواطن الأكثر تعبيراً عن الوطنية في خطابه هو الأكثر إخلاصاً لها في سلوكه، مثلما أن المواطن الذي ينتقد الدولة بشدة لا يكون بالضرورة أقل انتماءً إليها. فالاحتجاج على الظلم قد يكون تعبيراً عن التمسك بالوطن، لا عن رفضه؛ والمطالبة بإصلاح الدولة قد تكون دليلاً على الرغبة في استعادتها، لا على التنكر لها.

الوطنية، بهذا المعنى، ليست مجرد عاطفة تقاس بشدة الخطاب، وإنما علاقة متبادلة بين المواطن ودولة يفترض أن تمثله وتحمي حقوقه. إنها استعداد للدفاع عن الصالح العام، وقبول بالمساواة في الحقوق والواجبات، ورفض لتحويل الوطن إلى ملكية خاصة لحزب أو طائفة أو عائلة سياسية.

الدين والوطن: أين تبدأ المشكلة؟

ليس الدين، في ذاته، نقيضاً للوطنية، مثلما أن العلمانية، في ذاتها، ليست ضمانة كافية لقيام دولة عادلة. فالمجتمعات تختلف في تاريخها وثقافتها وتركيبتها الدينية، ويمكن للانتماء الديني أن يتعايش مع الانتماء الوطني، بل أن يدفع أصحابه إلى خدمة المجتمع والدفاع عن المظلومين ومقاومة الفساد.

المشكلة تبدأ حين يتحول الدين من مجال للإيمان والقيم الأخلاقية إلى أداة لاحتكار التمثيل السياسي، أو حين تُمنح جهة حزبية حصانة من النقد لأنها تتحدث باسم المقدس، أو حين يصبح الانتماء إلى جماعة معينة مدخلاً للحصول على الحقوق والامتيازات.

وتزداد خطورة الأمر عندما تتداخل الشرعية الدينية مع النفوذ الحزبي والمال السياسي والسلاح، بحيث يصبح الاعتراض على قرار سياسي وكأنه اعتراض على الدين نفسه. عندها لا يعود المقدس مصدراً للقيم التي تضبط السلطة، بل يتحول إلى وسيلة تستخدمها السلطة لحماية نفسها من المساءلة.

ولذلك فإن المطلوب ليس وضع العراقي أمام خيار زائف بين أن يكون متديناً أو وطنياً، بل بناء نظام سياسي لا يضطره إلى الاختيار بين هويته الدينية وحقوقه كمواطن. نظام يحمي حرية الاعتقاد، ويضمن المساواة أمام القانون، ويمنع احتكار الدولة باسم الدين أو القومية أو أي هوية أخرى.

ومن الضروري هنا التمييز بين المرجعية الدينية والأحزاب السياسية التي تستند إلى خطاب ديني. فالمؤسسة الدينية قد تؤدي دوراً إيجابياً في الدعوة إلى السلم الاجتماعي، ورفض الفساد، وحماية وحدة البلاد، لكن هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المؤسسات الدستورية، ولا إلى مصدر يمنح حزباً بعينه تفويضاً سياسياً دائماً.

إن احترام الدين لا يقتضي إعفاء من يتحدث باسمه من النقد، كما أن احترام الدولة لا يقتضي تقديس حكوماتها. وفي الحالتين، تكون المساءلة القانونية والأخلاقية ضرورة لحماية المجتمع والدين والوطن معاً.

الدولة أولاً: من الانتماء العاطفي إلى المواطنة

إذا أردنا أن نفهم لماذا تتراجع الهوية الوطنية في العراق، فعلينا أن ننظر إلى التجربة اليومية للمواطن.

ما معنى أن يشعر الإنسان بأنه عراقي إذا كانت فرصته في الحصول على وظيفة مرتبطة بعلاقته بحزب؟ وما قيمة المساواة الدستورية إذا كان الوصول إلى بعض الخدمات يمر عبر وسيط سياسي أو عشائري؟ وكيف يمكن أن تنمو الثقة بالدولة إذا كان القانون يطبق بصرامة على الضعيف ويتعثر أمام صاحب النفوذ؟

حين تعجز الدولة عن توفير الأمن والعدالة والخدمات، فإنها تفقد جانباً من قدرتها على إنتاج الانتماء المشترك. وقد يلجأ المواطن عندئذ إلى العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو الحزب، لا لأنه يرفض العراق بالضرورة، بل لأنه يبحث عن حماية أو فرصة أو مورد لم تعد الدولة توفره بصورة عادلة.

لكن هذه الآليات التي تمنح الفرد حماية مؤقتة قد تتحول إلى دائرة مغلقة: ضعف الدولة يدفع المواطن إلى الجماعة، وتنامي نفوذ الجماعة يضعف الدولة، ثم يؤدي ضعفها المتجدد إلى زيادة الاعتماد على الجماعة.

كسر هذه الدائرة لا يتحقق بمطالبة الناس بأن يحبوا وطنهم أكثر، بل بإعادة بناء العلاقة بينهم وبين الدولة. فالمواطنة لا تصبح واقعاً بمجرد النص عليها في الدستور، وإنما حين يختبرها المواطن في المدرسة والمستشفى والمحكمة ومركز الشرطة ومكان العمل.

وهنا ينبغي أن نكون واضحين: لا يمكن مطالبة المواطن بتقديم الولاء المطلق لدولة لا تضمن له الحد الأدنى من حقوقه، لكن لا يمكن كذلك بناء دولة عادلة إذا تحولت الحقوق والواجبات إلى صفقات بين الجماعات المتنافسة. المطلوب هو الانتقال من منطق الجماعة التي تتفاوض على حصتها إلى منطق المواطن الذي يتمتع بحقوق مصونة بقوة القانون.

من تشخيص الأزمة إلى برنامج عمل

لقد أنفق العراق سنوات طويلة في تكرار النقاشات نفسها حول الطائفية والهوية والسيادة. وأصبح جزء من هذا النقاش يعيد إنتاج الانقسام بدلاً من تفكيكه، لأن أطرافه تكتفي بتبادل الاتهامات من دون تقديم تصور عملي للتغيير.

ولا يكفي أن نتفق على أن الوطنية ضعفت، أو أن النظام السياسي فشل، أو أن التدخلات الخارجية أضرت بالدولة. المهم هو تحديد ما ينبغي تغييره، وكيف يمكن قياس التقدم في ذلك.

أولاً: تفكيك المحاصصة وتعزيز المواطنة المتساوية.

لا يمكن بناء هوية وطنية جامعة في ظل نظام يشعر فيه المواطن بأن حصته من الدولة تُحدَّد وفق هويته الفرعية، وأن الوظيفة العامة أو الخدمة أو الحماية السياسية لا تُنال إلا من خلال شبكة حزبية أو طائفية.

ويقتضي ذلك إصلاحاً مؤسسياً يعزز استقلال الخدمة المدنية، ويجعل التوظيف والترقية قائمين على الكفاءة والمعايير المعلنة، ويحد من استخدام المال العام في بناء الولاءات. كما يتطلب إصلاح القوانين الانتخابية والرقابة على تمويل الأحزاب، وتوفير بيئة تسمح للقوى السياسية العابرة للهويات الفرعية بالمنافسة الفعلية.

ولا يكفي تغيير أسماء المسؤولين إذا بقيت قواعد توزيع السلطة والموارد على حالها. فالإصلاح الحقيقي هو الذي يقلل قدرة الأحزاب على تحويل مؤسسات الدولة إلى امتداد لتنظيماتها، ويجعل بقاءها في السلطة مرتبطاً بأدائها ومحاسبة الناخبين لها.

ثانياً: إصلاح التعليم وبناء ذاكرة وطنية مشتركة.

لا يمكن للمدرسة أن تعالج كل انقسامات المجتمع، لكنها تستطيع إما أن تخففها أو أن تعيد إنتاجها. ولهذا يحتاج العراق إلى مناهج تاريخية وتربوية تقدم الماضي العراقي بتعقيداته وإنجازاته ومآسيه، وتتيح لكل مكون أن يرى نفسه جزءاً من تاريخ البلاد، من حضارات بلاد الرافدين إلى تشكيل الدولة الحديثة، وصولاً إلى الحروب والاستبداد والعنف والانتهاكات التي عرفتها العقود الأخيرة.

ولا تعني الذاكرة المشتركة فرض رواية رسمية واحدة تمحو الاختلافات، بل بناء رواية وطنية تستند إلى الوقائع، وتعترف بالضحايا، وتتيح النقاش النقدي بعيداً عن التمجيد الحزبي والتشويه الطائفي.

كما ينبغي أن يتعلم الطلاب معنى المواطنة عملياً: احترام الاختلاف، وحقوق الأقليات، والمساواة أمام القانون، والمشاركة المدنية، والمسؤولية تجاه المال العام. ويتطلب ذلك تدريب المعلمين وتطوير أساليب التدريس، لا الاكتفاء بإضافة فصل نظري عن الوطنية إلى كتاب مدرسي.

ثالثاً: استعادة السيادة وبناء احتكار الدولة للقوة.

لا تكتمل السيادة بمجرد وجود حدود معترف بها أو علم يرفرف فوق المؤسسات. السيادة تعني أن تكون القرارات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية خاضعة للمؤسسات الدستورية، وأن تكون سلطة استخدام القوة منظمة بقانون وتحت رقابة الدولة.

ومن ثم فإن معالجة قضية السلاح خارج السيطرة الفعلية للدولة ليست موقفاً موجهاً ضد مذهب أو جماعة، بل شرط أساسي لقيام دولة تستطيع حماية جميع مواطنيها. ويجب أن تتم هذه المعالجة وفق القانون، وبآليات واضحة، مع منع الانتقائية في التطبيق، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة للقواعد الدستورية ذات الصلة.

وبالمثل، ينبغي أن تقوم علاقات العراق بإيران وبقية دول الجوار على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، لا على التبعية أو التدخل في الشؤون الداخلية. فالعراق القوي ليس العراق الذي يعادي جيرانه، بل الذي يستطيع التعاون معهم من دون أن يتنازل عن قراره المستقل.

رابعاً: تحويل مكافحة الفساد إلى معركة مؤسسية.

الفساد ليس مجرد خسارة مالية؛ إنه عامل مباشر في إضعاف الهوية الوطنية. فعندما يرى المواطن أن الثروة العامة تُستخدم لخدمة شبكات النفوذ، وأن الإفلات من العقاب مرتبط بالقرب من السلطة، تتراجع ثقته بفكرة العدالة المشتركة.

لذلك لا يكفي إطلاق حملات موسمية ضد الفساد، بل يجب تعزيز استقلال القضاء وأجهزة الرقابة، وحماية المبلغين، ونشر المعلومات المتعلقة بالعقود والإنفاق العام، وتطبيق القوانين على المسؤولين من دون استثناء.

كما ينبغي ربط تقييم المسؤولين بنتائج قابلة للقياس في الخدمات والتنمية وفرص العمل. فالمواطن يحتاج إلى دليل يومي على أن الدولة تعمل من أجله، لا إلى خطاب متكرر يطلب منه الصبر باسم الوطن.

خامساً: معالجة المظالم والانتقال من الذاكرة الانتقامية إلى العدالة.

لا تُبنى هوية مشتركة فوق جراح مفتوحة، ولا يمكن مطالبة الضحايا بالنسيان قبل الاعتراف بما تعرضوا له. فملفات المفقودين والمهجرين والانتهاكات والضحايا تحتاج إلى معالجة قانونية وإنسانية منصفة، تقوم على الأدلة والمساءلة وجبر الضرر.

ولا تعني المصالحة مساواة جميع الوقائع أو إعفاء مرتكبي الجرائم من المسؤولية، بل تعني إخضاع الانتهاكات لمعايير قانونية عادلة، وعدم تحويل معاناة جماعة إلى مبرر لإنكار معاناة أخرى.

إن العدالة التي لا تميز بين الضحايا وفق هوياتهم تستطيع أن تعزز الثقة بالدولة، بينما تؤدي العدالة الانتقائية إلى تكريس الشعور بأن لكل جماعة قانونها وذاكرتها وحساباتها الخاصة.

سادساً: حماية المجال العام وتوسيع المشاركة السياسية.

تحتاج الوطنية إلى فضاء يستطيع المواطنون فيه تنظيم أنفسهم والتعبير عن مطالبهم ومحاسبة السلطة من دون خوف. وهذا يقتضي حماية حرية التعبير والتجمع السلمي، وضمان استقلال وسائل الإعلام، وتوفير بيئة آمنة للعمل المدني والنقابي.

كما يتطلب تحويل المشاركة السياسية من مناسبة انتخابية متقطعة إلى عملية مستمرة تشمل المجالس المحلية والرقابة المجتمعية والحوار العام.

لقد أظهرت تشرين أن هناك استعداداً واسعاً للتعبير عن مطالب تتجاوز الانقسامات التقليدية، لكن استمرار هذا الاستعداد يحتاج إلى مؤسسات سياسية قادرة على تحويل الاحتجاج إلى برامج، والبرامج إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج ملموسة.

سابعاً: الاستثمار في الثقافة والرياضة والفنون.

لا تُبنى الهوية الوطنية بالقوانين وحدها. فالأغنية والمسرح والرواية والسينما والملاعب والفضاءات العامة تسهم جميعها في تشكيل الذاكرة المشتركة، وتمنح الناس فرصاً لرؤية أنفسهم شركاء في حياة واحدة.

وحين يشجع العراقي فريقاً وطنياً، أو يستمع إلى أغنية تجمع أجيالاً ومناطق مختلفة، أو يقرأ رواية تتناول تجربة مواطن من بيئة أخرى، فإنه يختبر شكلاً من أشكال الانتماء المشترك خارج الحسابات الحزبية والطائفية.

وهذا المجال لا يحتاج بالضرورة إلى إنفاق ضخم بقدر ما يحتاج إلى سياسات ثقافية مستقرة، ودعم شفاف للمبدعين، وحماية استقلال المؤسسات الثقافية، وإتاحة الأنشطة الرياضية والفنية للشباب في مختلف المحافظات.

اعتراض لا ينبغي تجاهله

قد يعترض معترض بأن هذا الطرح يوزع المسؤولية على عوامل كثيرة حتى يكاد يخفف من مسؤولية القوى التي تستغل الدين، أو تحتفظ بالسلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، أو تربط قراراتها بمصالح إقليمية. وقد يقول إن الحديث عن الهوية والتعليم والخدمات لا ينبغي أن يحجب جوهر الأزمة: هناك قوى داخلية وخارجية تستفيد من ضعف الدولة، ولا مصلحة لها في قيام دولة وطنية مكتملة السيادة.

هذا اعتراض مشروع، بل إن تجاهله يجعل أي حديث عن الإصلاح ناقصاً. فلا يمكن بناء دولة وطنية إذا ظلت مراكز القوة الفعلية خارج المساءلة، أو إذا استطاعت الأحزاب استخدام هويات الجماعات لتبرير احتكار السلطة، أو إذا عوملت السيادة بوصفها شعاراً قابلاً للتنازل حين تتعارض مع مصالح الحلفاء.

لكن تسمية الخلل بدقة تختلف عن تحويله إلى اتهام جماعي. فالنقد الذي يحدد الحزب أو المؤسسة أو الممارسة أو القرار المسؤول، ويقدم الأدلة ويطالب بالمحاسبة، يساعد على تغيير الواقع. أما النقد الذي يحمل طائفة كاملة مسؤولية خيارات قادتها، فإنه يوسع دائرة الخصومة ويمنح القوى المتهمة فرصة الاحتماء بهوية جمهورها.

والأمر نفسه ينطبق على الخطاب الذي يحمّل الخارج كل المسؤولية، متجاهلاً أن النفوذ الخارجي يستند في كثير من الأحيان إلى شبكات داخلية لها مصالحها الخاصة. فاستعادة الدولة تبدأ بمواجهة المسؤولية المحلية، من دون إنكار التدخلات الخارجية أو التقليل من آثارها.

المطلوب، إذن، ليس تخفيف النقد، بل جعله أكثر دقة وشجاعة واتصالاً بالحلول. فالنقد الوطني ليس الذي يرضي جماعة على حساب أخرى، وإنما الذي يضع الجميع أمام معيار واحد: استقلال القرار، والمساواة أمام القانون، ورفض الفساد، وخضوع السلطة للمساءلة.

خاتمة: هل يحب العراقي وطنه، أم أنه يبحث عنه؟

ربما كان السؤال عن حب العراقي لوطنه محمّلاً منذ البداية بافتراض ظالم، لأنه يحوّل مشكلة الدولة إلى امتحان أخلاقي للمواطن. فكأن المطلوب من الناس أن يثبتوا وطنيتهم باستمرار، بينما لا يُطلب من الدولة أن تثبت استحقاقها لثقتهم.

إن العراقي الذي يرفض الفساد، ويحتج على الظلم، ويطالب بوظيفة عادلة ومدرسة جيدة ومستشفى محترم، لا يكون بالضرورة أقل وطنية من الذي يرفع الشعارات. وقد يكون تمسكه بهذه المطالب تعبيراً عن إيمانه بأن العراق يستحق أن يكون أفضل مما هو عليه.

وفي المقابل، لا يكفي أن يعلن المواطن حبه لوطنه إذا كان يقبل أن تتحول مؤسساته إلى غنيمة، أو أن تُختزل حقوق الآخرين في حدود جماعته، أو أن يصبح التدخل الخارجي مقبولاً ما دام يخدم الطرف الذي يؤيده. فالوطنية ليست مجرد شعور، بل موقف أخلاقي وسياسي يقتضي احترام حقوق الآخرين والدفاع عن المصلحة العامة، حتى حين تتعارض مع مصلحة الجماعة القريبة.

إن العراق لا يحتاج إلى مطالبة أبنائه بالتخلي عن أديانهم أو مذاهبهم أو قومياتهم، بل إلى دولة تجعل هذه الانتماءات غير ذات صلة بتحديد قيمة المواطن وحقوقه وفرصه. ولا يحتاج إلى إجبار الجميع على رواية واحدة عن الماضي، بل إلى مساحة مشتركة تسمح لهم بالاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع على ملكية الوطن.

فالمشكلة ليست أن العراقي يمتلك هويات متعددة؛ فهذه حال المجتمعات البشرية. المشكلة أن السياسة العراقية جعلت بعض هذه الهويات أدوات لتوزيع السلطة والثروة والحماية، وأضعفت الإطار الوطني الذي كان يفترض أن ينظم اختلافها ويمنع تحولها إلى حواجز دائمة.

ومن هنا، فإن السؤال الأجدى ليس: هل يحب العراقي وطنه؟ بل: هل يجد في وطنه دولة تحترمه، وقانوناً يحميه، ومستقبلاً يستطيع أن يخطط له، ومؤسسات لا تسأله عن مذهبه قبل أن تعترف بحقه؟

حين يصبح العراق وطناً تتساوى فيه الحقوق، وتُحترم فيه الحريات، وتُصان فيه السيادة، ويُحاسَب فيه المسؤول بصرف النظر عن انتمائه، لن نحتاج إلى مطالبة العراقي بإثبات حبه لبلاده في كل سجال. ستصبح الوطنية تجربة يعيشها، لا تهمة يدافع عن نفسه منها.

فالعراق لا يحتاج إلى مواطنين يثبتون حبهم له كل يوم بقدر ما يحتاج إلى دولة تثبت، كل يوم، أنها تستحق هذا الحب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *