عندما تكبر المسؤولية وتبقى العقلية حزبية – محمد ديب أحمد

قراءة تحليلية في إشكالية الانتقال من سلطة التنظيم إلى مسؤولية المجتمع
ثمة لحظة في عمر التجارب السياسية يصبح فيها حجم المسؤولية أكبر من قدرة العقلية التي نشأت في ظلها على استيعابها .
عندها لا يعود النجاح مرهوناً بمهارة إدارة الملفات أو براعة التفاوض أو القدرة على قراءة موازين القوى فحسب، بل بمدى استعداد أصحاب القرار لمراجعة أدوات تفكيرهم، وتحرير العمل العام من الحسابات التنظيمية الضيقة .
ما نود تسليط الضوء عليه هو ، أن التجربة التي تتسع مسؤولياتها، من الطبيعي أن تتسع معها رؤيتها، وأن تنتقل من منطق إدارة التنظيم إلى منطق إدارة المجتمع .
وهنا تحديداً تبرز إشكالية تستحق النقاش في تجربة الإدارة الذاتية وقسد ومسد ، وما أفرزته السنوات الماضية من تحولات سياسية وإدارية وأمنية .
فقد وجدت هذه الأطراف نفسها أمام مسؤوليات تتجاوز بكثير حدود التمثيل الحزبي أو إدارة إطار سياسي بعينه، لتصبح معنية بملفات مجتمع متعدد المكونات والاتجاهات، وبعلاقات إقليمية ودولية شديدة التعقيد ، وباستحقاقات سياسية لم تعد تحتمل أدوات التفكير التقليدية وحدها .
ومن باب الإنصاف، لا يمكن إغفال ما أظهرته شخصيات بارزة من الصف الأول في هذه التجربة من قدرة على قراءة المشهد السياسي، والتعامل مع توازناته، وفهم طبيعة المصالح المتشابكة .
كما أن الاهتمام بالاطلاع على تجارب الحكم والإدارة في أوروبا، والنماذج الفيدرالية، ومنها تجربة إيرلندا الشمالية، يعكس إدراكاً لأهمية الاستفادة من تجارب الآخرين، والبحث عن صيغ سياسية تساعد على التعامل مع تعقيدات الواقع .
 وقد أتيحت لي لقاءات مع بعض الشخصيات البارزة خلال جولات أوروبية، لمست خلالها اهتماماً بهذه التجارب وأنظمتها، وهو جانب يستحق الإشارة إليه تقديراً للجهد والانفتاح .
بل إن بعض هذه الشخصيات يجيد وببراعة قراءة اللعبة السياسية، ويدرك أين تكمن المصالح وكيف تُدار التوازنات، وهي مهارة لا يمكن التقليل من أهميتها في منطقة تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية .
 لكن امتلاك هذه المهارة يفتح الباب أمام سؤال آخر :
هل يواكب هذا النضج في التعامل مع الخارج تطور مماثل في إدارة الاختلاف داخل البيت السياسي والمجتمعي؟
أرى أن بعض آثار العقلية الحزبية تطل بين حين وآخر، سواء في المفردات المستخدمة، أو في طريقة تناول بعض الملفات، أو في أحاديث وتحليلات وأبحاث تعيد إنتاج مقولات القيادات وتستند إليها كما لو أنها مسلمات لا تقبل النقاش .
 وهنا تكمن إحدى الإشكاليات التي تستحق المراجعة؛ فالفكرة السياسية، مهما كان مصدرها، لا تكتسب حصانة لمجرد أن قائلاً مؤثراً طرحها، والبحث الذي يكتفي بترديد أقوال القائد الكامل المكمل  لا يؤدي الوظيفة التي يُفترض أن يؤديها .
فالباحث ليس صدى للقيادة، والمحلل السياسي ليس مطالباً بأن يحوّل قناعته التنظيمية إلى معيار يقيس به كل الوقائع . بل إن قيمة التحليل تظهر عندما يمتلك صاحبه القدرة على مساءلة الفكرة، ومقارنتها بالواقع، والتمييز بين ما تقوله القيادات وما تثبته الوقائع .
والانتماء لا ينبغي أن يلغي استقلالية التفكير، والاختلاف داخل البيت السياسي ليس بالضرورة علامة ضعف، بل قد يكون مؤشراً على حيوية الحياة السياسية وقدرتها على تصحيح مسارها .
وهنا لا بد من التمييز بين حق الحزب في الدفاع عن برنامجه وقناعاته، وبين حق المؤسسة العامة في أن تكون مساحة مفتوحة لجميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم ومواقفهم .
فالمؤسسة ليست ملكاً لمن أسسها أو يديرها، وإنما هي مسؤولية تجاه المجتمع الذي تخدمه، ومن حق هذا المجتمع أن يسائل أداءها ويشارك في رسم أولوياته .
ولعل الصورة الأقرب إلى هذه المفارقة أن تكون التجربة أشبه بجسد له ذراعان؛ إحداهما قوية ومدرّبة، تمتلك الخبرة في التفاوض وقراءة المتغيرات والانفتاح على التجارب الأخرى، بينما تبقى الذراع الثانية مثقلة ببعض رواسب البوتقة الحزبية، وتكرار المقولات ذاتها في الأحاديث والتحليلات والبحوث .
ولا يمكن لجسد أن يحقق توازنه الكامل إذا نمت إحدى ذراعيه وبقيت الأخرى أسيرة ضعفها .
إذن التطور السياسي لا يكتمل بمهارة إدارة الخارج وحدها، وإنما يحتاج إلى عقلية داخلية قادرة على التفكير المستقل، وتقبّل النقد، واحترام التعدد .
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية :
كيف يمكن الانتقال من إدارة تجربة ذات خلفية تنظيمية إلى بناء مؤسسات يشعر الجميع بأنها تمثلهم، لا أنها امتداد لجهة سياسية بعينها ؟
 فالمجتمع لا يتكون من المؤيدين وحدهم، ولا من أصحاب الرؤية السياسية الواحدة ؛
فيه المستقل والمعارض والمؤيد، وفيه الأكاديمي والمثقف وصاحب الرأي المختلف .
وهؤلاء ليسوا تفاصيل يمكن تجاوزها، بل مكونات أصيلة في أي مشروع يسعى إلى بناء شراكة سياسية ومجتمعية حقيقية .
كما أن المسؤولية العامة تفرض على من يتولاها أن يميز بين حق الحزب في الدفاع عن برنامجه، وحق المجتمع في المشاركة والتعبير والاختلاف .
 فالمؤسسة العامة لا ينبغي أن تُدار بمنطق الولاء التنظيمي، ولا أن تتحول فرص المشاركة فيها إلى امتياز مرتبط بدرجة القرب من هذا الطرف أو ذاك .
وكلما اتسعت دائرة المسؤولية، ازدادت الحاجة إلى معايير واضحة تقوم على الكفاءة والقدرة والنزاهة، بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة .
كما أن المسؤولية لا تنتهي عند اتخاذ القرار، بل تشمل الاستعداد لتفسيره ومراجعة نتائجه وتصحيح ما تكشف الوقائع عن قصوره .
ولعل الاطلاع على تجارب الحكم والفيدراليات في أوروبا ينبغي ألا يتوقف عند حدود دراسة النصوص والهياكل الدستورية، بل أن يمتد إلى ثقافة إدارة التعدد، واحترام الاختلاف، واستقلال المؤسسات، والفصل بين المصالح التنظيمية ومتطلبات المصلحة العامة .
 فالتجارب لا تُستنسخ، وإنما تُقرأ ويُستفاد من عناصرها بما يتناسب مع خصوصية المجتمع وظروفه .
في المحصلة، فإن ما نطرحه هنا لا ينتقص من الجهود التي بُذلت، ولا يتجاهل ما تحقق من خبرة سياسية وانفتاح على العالم، وإنما ينطلق من أن اتساع المسؤولية يستدعي اتساعاً موازياً في الرؤية والثقافة السياسية .
ونشير الى أن القدرة على إدارة التوازنات الخارجية إنجاز مهم، لكن القدرة على استيعاب الاختلاف الداخلي وبناء الثقة والشراكة لا تقل أهمية عنها .
فالولاء للتجربة لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة لأفكار قياداتها من النقد والمراجعة، كما أن النقد لا يعني الوقوف في الضفة المقابلة منها .
نحن بحاجة إلى عقلية سياسية ترى في النقد فرصة للتطوير، وفي الاختلاف مساحة للشراكة، وفي استقلالية التفكير شرطاً لنضج المؤسسات .
فالمسؤولية التي أصبحت أكبر من إطار الحزب، تحتاج بالضرورة إلى عقلية تتجاوز حدود الحزب أيضاً .
المقال في إيقاظ التفكير، وليس مقالاً يبحث عن خصوم .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *