“الشجرة ذات الجذور الطويلة لا تهزها القامات القصيرة”؛ مثل شعبي يلخص حقيقة المدن الضاربة جذورها في عمق التاريخ والنضال. وإذا كانت المدن تُقاس بوفائها وبمواقف رجالها في ساعات الصفر، فإن ئاكرێ (عقرة) التي يُقال إن زرادشت سماها بهذا الاسم عندما زارها ورأى نارها مشتعلة طوال زيارته التي طالت ثلاثة – ومنهم من يقول سبعة – أيام، نسبة إلى النار التي تُعرف بـ (ئاگر) باللغة الكوردية؛ هذه المدينة التي تستحق أن تصبح إحدى المراكز لحوار الحضارات بسبب وجود أجمل احتفال يحتفل به الكورد الميديون يوم إشعال النار في 20 آذار من كل عام، إلى جانب المساجد والمعبد المسيحي ومكان المعبد اليهودي الذي يجب أن يُبنى ثانية.. أقترح أن نسميها اليوم “مدينة مام جلال”، لما تمثله هذه الرمزية من ارتباط بموقف تاريخي حاسم حفظ كرامتها ووصلها بجغرافيتها الأم.
فهذه المدينة، “عروس كوردستان” كما طالما أُطلق عليها، تمثل نموذجاً فريداً للتضحية والفداء، ليس فقط لأنها قاومت الظلم والاستبداد، بل لأنها انتفضت مرتين: مرة في وجه الطغيان والاحتلال ككل مدن جنوب كوردستان، ومرة أخرى في وجه المؤامرات والتردد السياسي وحسابات الخرائط الإقليمية.
نعود بالذاكرة إلى حكاية عام 1991؛ حين انسحب الجيش العراقي من كامل مناطق الحكم الذاتي، مستثنياً مدينة ئاكرئ بحجة ضعيفة تفيد بأنها تابعة لمحافظة نينوى (الموصل) وخارجة عن حدود منطقة الحكم الذاتي. خلف هذا القرار الميداني لم يكن يقف النظام وحده، بل تقاطعت معه أجندات إقليمية واضحة، ومن بينها الدور التركي الذي كان يتربص بأي كيان كوردي ناشئ ويعمل جاهداً لمنع قيام حكومة كوردية. ولم تكن ئاكرئ مختارة عبثاً، بل لاستهداف جغرافي استراتيجي بحت؛ فهي العقدة الجغرافية التي تشكل حلقة وصل حيوية بين منطقتي “سوران” و”بادينان”، والسيطرة عليها تعني قطع الأوصال وعرقلة وحدة الجغرافيا الكوردية لكي لا يستطيعوا تشكيل حكومة موحدة.
الأسوأ من ذلك، هو أن هذا المخطط واجهه للأسف تواطؤ أو تلكؤ من بعض الأطراف بحجة أن الجبهة الكوردستانية تخوض مفاوضات مع بغداد وأن الوضع الإداري لئاكرئ لم يُحسم بعد. لكن أبناء المدينة وسياسييها الحقيقيين الذين أشعلوا شرارة انتفاضة بادينان المباركة كانوا يدركون تمام الإدراك أن المدينة تقع بالكامل ضمن حدود “الخط 36” (المنطقة المشمولة بالحماية الدولية)، وأن على الجيش العراقي الانسحاب منها وإلا واجه ضربات التحالف الدولي. من هنا، علت أصوات الجماهير الغاضبة ترفض التخاذل، وخرج الأهالي بمظاهرات عارمة حاملين شعارهم التاريخي الواضح: (مه دڤێت بەرە ل ئاکرێ بیت) أي “نحن نريد الجبهة الكوردستانية في ئاكرئ”.
في تلك اللحظات المفصلية، حضر المسؤولون لمخاطبة الجماهير، وتحدث أولاً أحد المتواطئين ليبرر سبب عدم دخول البيشمركة إلى المدينة بحجة المفاوضات والتبعية الإدارية للموصل. وهنا انتفض معشر الحضور بوجه غاضب، فصدح أحد المتظاهرين بعبارته الشهيرة التي هزت المنصة: (فلان كةس نة لةوچە، ئەم بير ناكةين حةلبچە) أي “يا فلان لا تتكلم زيادة، نحن لن ننسى حلبجة”. وحين تحولت الهتافات كلها لرفض التردد والمساومة، اضطر ذلك المسؤول أن يختصر خطابه ويعطي المجال لمن بعده.
وهنا جاء دور مسؤول الاتحاد الوطني الذي أخذ المنصة وقال بصوت واضح: “وصلتنا برقية من مام جلال تقول: نحن وكل الاتحاد الوطني وبكل ما نملك من قوة مع جماهير ئاكرئ ولن نترككم أبداً”.
بهذه الإرادة الشعبية الجبارة وضغط الجماهير، دخل الأبطال المنتفضون المسلحون المدينة ومعهم بيشمركة الأحزاب المؤيدة للبقاء، وانسحب الجيش العراقي صاغراً إلى خارج الخط 36. لقد أدى موقف مام جلال التاريخي هذا إلى موجة تعاطف شعبية واسعة وكبيرة من أهالي المنطقة مع الاتحاد الوطني، غير أن مآلات الحرب الأهلية لاحقاً أبعدت الطرفين عن بعضهما بعضاً، بعد أن تقسّمت الجغرافيا السياسية وخرج الاتحاد الوطني من ئاكرئ.
وحتى بعد ذلك، لم يكتفِ الأعداء، بل خلقوا الحرب الأهلية وانتصر مشروعهم بشكل آخر. فقد طُمست ووُئدت في عقول حتى السياسيين المعارضين فكرة واهية مفادها أن الحرب كانت من أجل معبر “إبراهيم الخليل”، مع العلم أن واردات ذلك المعبر آنذاك لم تكن تكفي حتى لبعض عوائل المسؤولين! لقد كان التضليل كاملاً للتغطية على الهدف الحقيقي: منع التلاحم الجغرافي والإداري وإبقاء الجسد الكوردي مقسماً.
إن الذين حاولوا بالأمس قطع بادينان عن سوران من خلال دمج ئاكرێ ببغداد، يسعون اليوم إلى خلق أجواء تمهد الطريق لتعريب شنگال بالكامل بهدف فصل روژاڤا عن باشور كوردستان؛ فهذه نفس الأجندات، وتلك هي الخيوط ذاتها تتكشف للعيان.
ولمن يستغرب أو يتساءل، نعيد طرح السؤال الجوهري بوعي ومسؤولية: قلنا إذا التحقت قوات شنگال بالبيشمركة، فهل كان سيسمح لها بالبقاء أم كان سيفرض عليها الانسحاب الفوري إلى خارج الخط 36؟ هل من مجيب عقلاني يمتلك الشجاعة لمواجهة الحقائق الجغرافية والعسكرية بعيداً عن الشعارات والاستهلاك الحزبي؟
للعلم، فإننا نعرف مآرب الذين ينتقدون قرار الشنگاليين “حمالي الأباريق” تماماً؛ أولئك الذين يصبحون في النهاية حمالي الحطب لأسيادهم، حين يحشرهم الله مع أبي لهب وامرأتِهِ حمالة الحطب.. في رؤية تتساقط فيها الأقنعة أمام صلابة الحقيقة.
والآن، لمن يزور ئاكرئ اليوم، يتقطع قلبه وهو يرى حجم التهميش الممنهج الذي تعرّضت له هذه المدينة الجميلة. فكأنما يُراد معاقبة “عروس كوردستان” على تاريخها النضالي المشرف؛ إذ تركتها الحكومات المتعاقبة عرضة للإهمال حتى تحولت ملامحها الحضرية تدريجياً إلى ما يشبه القرية الكبيرة تفتقد إلى أدنى متطلبات الحضارة، في محاولة واضحة لكسر روحها ورمزيتها.
إن ئاكرئ وشنگال وكل بقعة تنبض بالتضحية، تؤكد مجدداً أن إرادة الشعوب الحية هي وحدها التي ترسم الحدود، وتحمي المصير، وتسقط كل مخططات التمزيق والتعريب. فلولا إصرار أهالي ئاكرێ ومظاهراتهم الحاشدة لما تكللت جهود تشكيل حكومة الإقليم بالنجاح، ولظلت ئاكرێ اليوم ضمن مناطق النزاع.

