أسبل الليل حُجُبه على المستشفى، وألقت أضواؤه الشحيحة على الممرات مسحةً من الوحشة، وفي إحدى الغرف، كان ليث مستلقيًا على سريره، منهك الجسد، واهن القوى، تتنازعه آثار جلسات العلاج الكيميائي العنيفة، لم تكتفِ باستلاب عافية جسده، فنهبت من روحه نصيبًا.
كانت تحيط به وجوهٌ شاحبة، عيونٌ أضناها السهر، قلوبٌ مرتجفة معلقة بما ستكشف عنه الدقائق القادمة، وأرواح مثقلة بالخوف من المجهول الغامض، كأن الجميع أحسّ بأن ثمة أمرًا جللًا يقترب، وأن هذه الليلة قد لا تكون كسابقاتها. دخل الطبيب بخطوات متتالية متعجلة، ولم يكد يلقي نظرة على ليث حتى طلب من الجميع مغادرة الغرفة، إذ كان عليه إجراء فحوصات عاجلة، بعدما أظهرت المؤشرات الأولية تراجعًا مقلقًا. أخذ ليث يحدق في الساعة المعلقة على الجدار ويتتبع بعينيه عقاربها التي لم يطق بطء حركتها، فقد قرر الزمن أن يعاقبه بتمديد لحظاته من الانتظار. تسللت إليه نفحات برد خفيف فيما بلغ الليل من السكون مبلغًا جعل أخفت صوت في الغرفة يتبنى صفات الغرابة والترهيب. بينما ظل أفراد عائلته ينتظرون في ردهة المستشفى، تنازعهم الدعوات والهواجس، متمسكين بخيط رفيع من الرجاء وإن بدا ضئيلا أمام هول ما ينتظرهم.
أدار ليث وجهه نحو الباب، ثم عاد ببصره إلى حيث كانت أمه قبل أن تغادر، كأن عيناه تأبيان التسليم بغيابها، راوده الشوق وتمنّى لو استطاع أن يطيل النظر إلى وجهها إذ وجد في ملامحها شفاءً ورحمة، ما لا تستطيع الأدوية أن تمنحه، ولا تستطيع أجهزة المستشفى أن تعوضه، أمه كما عهدها دائما، ملاذه الأول وطمأنينته الوحيدة تبدد مخاوفه وتمسح من على صدره الهم والغم، أمان لا يكبر المرء عليه وإن شاب الرأس ووهنت الخطى. لكن الأيدي الموصولة بالأمصال، وقناع الأكسجين الذي يتنفس من خلاله، كانا يذكرانه باستمرار بقسوة واقعه، ويعيدانه في كل لحظة إلى سجن جسده الذي أنهكه المرض.
أصاب الخريف أيامه، وحل ضيفًا ثقيلا على ما تبقى ما حياته، انتصبت الأشجار عارية إلا من أغصانها ورياح محملة بشيء من النهايات، فيما افترشت الطرقات بأوراق مصفرة متساقطة كأنها تشي بالانطفاء، ترسم لنا مشهدا من مشاهد الفقدان والتخلي وانطواء فصل من الفصول، شعور غريب يتردد في زيارته، ثم يغيب ليعود في صورة هواجس وأسئلة تتملكه، ترى، هل لهذه اللحظات المتقطعة من السكينة من قدرة على ترميم ما خلفه دهر التعب والأحزان؟ وهل يكفي أن يستعيد المرء بعض ذكرياته الجميلة كي يتصالح مع كل ما لم ينصفه القدر؟ كان يود لو استطاع أن يروي حكايته التي خطّ النصيب سطورها بيده، وحرمه حق اختيار نهايتها، أحلامٌ لم تكتمل، وأمنياتٌ معلّقة على أبواب الغد، يظن أحيانا أن الحياة، بعد كل ما مرّ به، ستمنحه أخيرًا بعضا من السكينة. غير أن لها أقدارًا لا تستأذن أصحابها، وتخط لنا الأيام ما لم نضع له حسبانا. اختلجه إحساس اقتراب النهاية يبث في روحه ريبة الهدوء، وفي استعداد لمغادرة ضجيج العالم كان يتمنى أن يهدي الحياة وردةً أخيرة، وردةً تسقيها دموع باردة، لعلها تطفئ شيئًا من نيران هواجسه، وتخفف وطأة ذلك الكابوس الذي ظل يطارده وأبى فراقه يزين له نهاية اختارته قبل أن يختارها. لكن أيّ كابوس هذا الذي لا يوقظه النوم منه؟ وأيّ مجهول ذلك الذي ينتظر الإنسان عند نهاية الطريق..
كان المستشفى قد اختار له زاوية من زوايا هذه الغرفة الكئيبة، غرفة أودعت جدرانها أسرارا أليمة، ومن الأوجاع ما ظل حبيس زواياها، أجساد فانية دخلت محمّلة بالأمل، ثم غادرت جثامين باردة الملمس، لم تغب هذه التفاصيل عن ليث؛ كان يعرف جيدًا ما يحوم حوله، وربما كان أكثر إدراكًا له مما أراد الآخرون تصديقه. هل سيكون هو الناجي الوحيد من شباك ذلك العنكبوت الأسود الذي نسج خيوطه حول كل من مرّ من هنا، أحكايته قادرة على الإفلات من خاتمة ترددت على مرآه حتى استأنس ملامحها، فاقدا التمييز بين ما اعتاده وما كان لا ينبغي أن يعتاده.
“ربما، ولم لا؟” عبارة زارت فكره بعض المرات.. “لما لا” وابتسامته الواهنة لم تفارق شفتيه حتى في أحلك لحظاته معلنة التحدي تتستر عن عجزه في البوح عن حرقته التي تفتك بأوصاله، عرفه الأطباء والممرضون وألفوا حضوره إلى أن نسبوا إليه شجاعة وشدة الليث، مقاومٌ مقدام، رفض منح المرض انتصارًا سهلًا عليه، لكنه نهش جسده بالمقابل، توزعت فروعه كشجرة الميلاد، استوطن الشجن كيانه واستنزفه رافعًا سقف التحدي في محياه، وأخذ يختبر صبره وقوة احتماله. أغمض عينيه طمعا منه في الابتعاد عن حقيقته المأساوية وأن ينفذ إلى أعماق نفسه، يبحث فيها عن شيء يطمئنه، فلم يجد سوى الذكريات، ذكريات أهله وذويه، إخوته، أمه وأبيه، وأطفاله؛ وجوه أحبها، وأصوات ألفها، أيام انقضت وعمر كر دون أن يدرك أنها ستصبح يومًا أعظم ما يحن له راجيا منها أن تعود، تزاحمت وازدحمت الصور في ذاكرته، واحدة تجر أخرى، حتى استعاد شريط فصول حياته التي ستختتم على سرير في مستشفى.
ما كان ذلك الرجل الذي أنهكه المرض إلا ليثًا آخر، تفصل بينهما مسافة سنوات من الصبر والمعاناة، شاب يافع، جميل الهيئة، طيب السيرة، فؤاد طيرٍ وحسن الخلق، كان فيه ما يشبه القمر في اكتماله، بدرًا ساطعًا، وفي ملامحه وطباعه ما يحبب للناس حضوره ومعاشرته. نشأ في أسرة بسيطة، لم تكن تملك من زخارف وكماليات الحياة الكثير، لكنها كانت تؤمن بأن العلم، ثم العلم، والتربية الصالحة، هي الثروة التي لا تفنى، والميراث الذي لا تطاله يد الفقد. تلقى تعليمه في جامعة المحروقات، وأظهر منذ سنوات دراسته ذكاءً لافتًا وميلًا واضحًا إلى التميز. وحين أتم دراسته، التحق بالعمل متخصصًا في مجال الكهرباء. كان مبدعًا في عمله، دقيقًا في أدائه، متوقد الذهن، يسبق غيره إلى إيجاد الحلول، ويبحث دائمًا عن سبل تطوير ما بين يديه. سرعان ما اكتسب احترام زملائه وتقدير مسؤوليه، ذلك لما امتلكه من علم وخبرة ولما تحلّى به من أخلاق وتواضع وجدية. ولم تمضِ مدة طويلة حتى كوفئ على تميزه بترقية جعلته مسؤولًا بإحدى أكبر الشركات البترولية في وطنه.
كانت الحياة، كما عرفها ليث، لا تمنح أسرارها لمن يخشى مواجهتها، لم تكن التحديات في نظره سوى وجه آخر من وجوه الجمال، وما الشجاعة إلا قدرة على المضي قدمًا في وجود الخوف، وربما كان هذا الإيمان هو ما دفع شركته إلى اختياره للمشاركة في تربص مهني خاص بإيطاليا، للاطلاع على أحدث الدراسات والتطورات في تخصصه، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة، بما يتيح له تطوير أساليب العمل والتعلم في مجاله. سافر ليث، ورأى من مظاهر الحياة هناك ما لم يألفه من قبل، لكنه لم يسمح لبريق الغرب ومغرياته بأن يغيّر من مبادئه أو يجرّه بعيدًا عن جذوره، كان يعرف ما يريد، ويحمل في داخله من القناعة ما يكفيه ليظل وفيًّا لنفسه ولتربيته، وحين أتم تربصه، عاد إلى وطنه وعمله، فلم تكن الغربة سوى خطوةً في دربه الطموح. غير أن الحياة، التي مهدت له دروب النجاح المهني تباعا، كانت تخبئ له عند منعطف آخر ابتلاءً من نوع مختلف، محنةً مغايرة، امتحانًا لم يكن للذكاء أو الشهادات أو سنوات الخبرة أن تمنحه إجابة حاسمة عنه.
بينما كان في زيارة لأحد أطباء الأسنان، لفت انتباه الطبيب ما بدا عليه ليث من حسن الخلق ورجاحة العقل، فأُعجب بشخصيته، ووجد فيه من الصفات ما جعله يفكر في مصاهرته. وبعد حديث قصير، صارحه بأن لديه ابنة تدرس جراحة الأسنان، وأنه يتمنى أن يكون ليث زوجًا لها. ابتسم في أدب، ثم اعتذر بلطف، موضحًا أنه سبق أن أعطى وعدًا لابنة خالته، وأنه ينوي التقدم لخطبتها. بدا الأسف على الطبيب، فقد كان يرى في ليث رجلًا لو صار من نصيب ابنته لجعلها، في نظره، أسعد نساء الأرض.
لكن ليث نفسه لم يكن قد خطط يومًا للارتباط بابنة خالته. لم يكن الحب هو ما دفعه إلى ذلك القرار، بقدر ما كانت مشاعرها المعلنة نحوه، وإصرارها على مصارحته بأنها تحبه منذ زمن طويل. كانت قد وضعت قلبها بين يديه، وأشعرته، بطريقة أو بأخرى، بأنه أصبح مسؤولًا عن مصيره. قرر أن يفتح الموضوع مع والدته، فأخبرها برغبته في إتمام الزواج منها. لم تستقبل الأم الخبر بالفرح الذي ربما كان ينتظره، بل بدا عليها شيء من القلق، كأن كلمات ابنها قد أيقظت في نفسها مخاوف قديمة كانت تفضل ألا تستحضرها. كانت تعرف شقيقتها حق المعرفة؛ تعرف طباعها الصعبة، وتسلطها، ونزعتها إلى التحكم فيمن حولها. لم تكن امرأة يسهل التعامل معها، حملت من تجارب زيجاتها السابقة الفاشلة جراحًا لم تستطع تجاوزها، وكانت في نظر أم ليث، ممن يفرغون مرارة تجاربهم في حياة الآخرين. وكان أكثر ما يؤلمها في شقيقتها تلك العقدة القديمة المتعلقة بإنجاب الذكور، فقد رزقها الله ببنات، بينما حظي إخوتها بأبناء ذكور بين بناتهم، فتحول ما كان ينبغي أن يكون رضا بقسمة الله إلى حسد وضغينة، ثم إلى عداوة أخذت تستحكم في نفسها وتشتد إلى أن أصبحت عصية على التغيير وانتقلت عدواها إلى بناتها اللواتي تشربن شيئًا من ذلك العداء، حتى غدا التوتر والخصام جزءً من طبيعة العلاقات داخل تلك الأسرة. كانت هناك امرأة مسنة، عاصرت ما يكفي من تلك التصرفات، حتى ضاقت بها ولقبتهم بالبومة وبناتها؛ إذ كانت ترى أن الخراب يحل حيثما حللن، وأن وجودهن كثيرًا ما يتبعه الشقاق.
لم تكن أم ليث تتحدث عن غريب لا تعرفه، بل عن شقيقتها التي عاشت معها سنوات طويلة، وعرفت من طباعها ما جعلها تخشى على ابنها من مستقبل قد لا يدرك قسوته. ظل ليث ينظر إليها شارد الذهن، وكأن كلماتها قد وضعت قلبه وعقله في مواجهة لا يعرف كيف ينهيها، ممزق بين امرأة تصارحه بحبها، وبين واقع عائلي مثقل بالخلافات والعداوات، صراعات لم يجد لها حلًا، ولم يلوح في الأفق ما يبشر بانتهائها. لم يكن القرار سهلًا، بعض الوعود هي قيود أخلاقية يصعب على صاحبها الفكاك منها، حتى وإن ساقته الأيام يومًا إلى درب لم تسكن إليه نفسه. وبينما كان غارقًا في أفكاره، انتبه إلى هاتفه الذي لم يكف عن الرنين. كانت مكالمات ابنة خالته تتوالى، واحدة تلو الأخرى، بإلحاح شديد، حتى بدا له أنها لا تترك له مساحة كافية للتفكير أو التراجع. كانت تفرض حضورها في حياته بإصرار، وكأن قرار الارتباط قد حُسم بالفعل. وفي نهاية الأمر، عاد إلى والدته وصارحها بقرار إكمال نصف دينه معها. لم يكن ذلك القرار وليد هيام عاطفي جارف، ولا ثمرة حب طال انتظاره؛ بل كان، في جانب كبير منه، محاولة لئلا يكسر خاطر امرأة تعلقت به، ووفاءً لوعد سبق أن قطعه. وربما كان يرى في الوفاء بالكلمة فضيلة لا يجوز التفريط فيها، حتى وإن ظل قلبه عاجزًا عن الجزم بما ينتظره خلف ذلك الباب، نظرت إليه والدته مطولًا، ثم أجابته بصوت امتزج فيه الحنان بالقلق “لقد نشأتك على أن الكلمة عهد، وأن الرجل لا ينقض وعدًا قطعه، لا في حق ربه ولا في حق عباده، لعلّك لم تتأنَّ من قبل، لكن ما دام الأمر قد بلغ مبلغه، لن أقف في طريقك، إن كانت سعادتك معها سنذهب لطلب يدها، لكن تيقن أنك على وشك أن تخطو نحو وكر الأفاعي، بإرادتك”. وضعت يدها على فمها، وأغمضت عينيها، وأطلقت تنهيدة طويلة، باغتها دوار مفاجئ لثقل وقع الأمر عليها، أيكون من السهل عليها أن تنصح ابنها بالابتعاد عن بيتٍ تعرف خباياه، وهي التي جمعتها بصاحبة ذلك البيت صلة الدم؟، أدركت ما تواريه خلف عذوبة حديثها وتبصر مرارة ما يستتر وراء هدوء ملامحها، تبخ السم في العسل، تبتسم في الظاهر وتترك في الخواطر من المرارة ما لا يزول.
تسلل الإحباط إلى قلبها، وداهمها خوف غامض من المجهول الذي ينتظر ابنها، لم تكن تريد أن تسلبه حق الحلم، ولا أن تحرمه من حياة يختارها لنفسه؛ فهي تعلم في قرارة نفسها أن الحياة، مهما قست، تظل جافة حين تخلو من الأحلام. لكن أن تنقلب هذه الأخيرة إلى كوابيس، وأن يصبح ما يرجوه المرء مصدرًا لألمه، فتلك هي المفارقة التي كانت تخشاها.
كانت تشعر بقبضة من القلق تعتصر قلبها كلما استشرفت ما يخبئه المستقبل لابنها، شيء في داخلها ينذرها بأن السعادة التي يرجوها لن تكون سوى زيف لا يسنده الواقع، وأن الأيام ستكشف له الحقائق حين يكون الرجوع قد أصبح أشد صعوبة من المضي قدمًا، ولم تكن تعلم، وهي تراقبه يمضي نحو ذلك القرار، أن أبوابًا من الابتلاء ستفتح أمامه.
تمّت الخطبة، وتعاقبت الأوقات نحو موعد الزفاف، وليث، كمن يريد أن يفي بوعد قطعه على نفسه، أخذ يستعد لبناء حياة جديدة، واضعًا نصب عينيه أن يكون زوجًا صالحًا، وأن يمنح شريكة حياته ما استطاع من أسباب الراحة والهناء. وقبيل الزفاف، سافر إلى أوروبا، وعاد محمّلًا بما اختاره من مستلزمات جهاز عروسه، حرصًا منه على أن يكون كل شيء في أبهى صورة. غير أن بعض تلك المقتنيات أخفيت لاحقًا عن أهله، في تصرف لم يكن سوى واحدة من الإشارات الأولى إلى ما سيكشف من أمور كانت تُدار بعيدًا عن أعينهم، كان ليث يظن أنه مقبل على تأسيس بيت يجمعه بامرأة اختارها، فإذا به، يدخل عالمًا آخر، له قوانينه الخاصة، وأبطاله الذين لا يتغيرون، ومخرجته التي لا تسمح لأحد بمنازعتها في إدارة المشهد.
فمنذ البداية كانت خالته التي أصبحت حماته، هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة. هي وبناتها من يقررن، وهن من يدبّرن شؤون البيت، ويرسمن حدود العلاقات، ويوزعن الأدوار كما يحلو لهن، أما والدة ليث وإخوته وضعوا خارج خشبة المسرح؛ لا دور لهن سوى التفرج على مسرحية مهترئة، تتكرر فصولها وتتشابه بداياتها ونهاياتها، حتى غدا المشهد الواحد يعيد نفسه بأسماء ومناسبات مختلفة، لم يكن أمامهم سوى مواصلة المشاهدة، مضطرين إلى التزام الصمت، يراقبون بحذر، ويتجنبون إحداث أي ضجيج قد يفسد تسلسل الأحداث التي رسمتها امرأة خلف ستار من الدبلوماسية المصطنعة، تداوي جراحها القديمة بإحداث جراح جديدة في نفوس من حولها. كانت عينها على ليث منذ ولادته، تخصّه بمعاملة مختلفة وتظهر تفضيله على بقية إخوته، حتى نشأ وهو يعتقد أن له في قلب خالته مكانة استثنائية، وأنه بالنسبة إليها بمنزلة الابن الذي حُرمت من إنجابه.
أُقيم العرس في أفخم القاعات، واحتُفي به في أجواء مفعمة بالفرحة، زفاف من ألف ليلة وليلة، تتمنى كل فتاة أن تعيش مثله ثم عاد الاثنان إلى حياتهما الجديدة، محاطين بمظاهر الرفاه والبهجة، فليست كل النهايات الموجعة وليدة أحداث مفاجئة، بل تبدأ مآسيها من قرارات صغيرة هينة لا يدرك أصحابها عواقبها إلا بعد أن يستحيل تداركها. فما إن عادا من شهر العسل حتى فاتحت الزوجة خالتها، أي حماتها، بأنها قررت الانتقال مع ليث للإقامة في بيت استأجروه قرب منزل والدتها. لم تسأل أم ليث ابنها عن دوافع ذلك القرار، ولم تحاول أن تثنيه عنه. كانت قد اختارت منذ البداية ألا تقف في طريق حياته الجديدة، وأن تحترم اختياره، مهما اختلف عن تصورها غير أن قلب الأم يعجز عن مواراة أوجاعه طويلًا. ففي أحد الأيام، جاءت زوجة ليث إلى بيت أهله، وأخبرت والدته بأنها قدمت لأخذ بعض أغراضه من غرفته، تمهيدًا لانتقالهما. سمعت الأم كلمات كنتها، فآثرت الصمت، وابتلعت ما كان يعتمل في صدرها من أسئلة وعتاب. لم تشأ أن تفتعل مشكلة، ولا أن تجعل ابنها طرفًا في خلاف قد يعكر صفو حياته الزوجية.
وحين أرخى الليل سدوله، انسحبت إلى غرفتها ووجدت نفسها وحيدة، كان البيت الذي اعتادت أن تضج أرجاؤه بالحركة وأصوات أبنائها، يبدو لها في تلك الليلة أكثر اتساعًا ووحشة شعرت كأنها انفصلت فجأة عن الحياة التي ألفتها، أخذها خيالها بعيدًا؛ خُيّل إليها أن الغرفة قبر موحش، يلفه الظلام، وأنها مستلقية في داخله، تحيط بها دواب الأرض، تنهش جسدها كما تنهش الجياع فريستها. تحسست جسدها الواهن، ذلك الجسد الذي لم يعد يحمل من سنوات العافية إلا القليل، وتأملت ما تركته الأعوام فيه من تعب وآلام.
انتشلتها من شرودها حقيقة حجبها الحزن، هي ليست بالمرأة الهشة ولا جسدًا أنهكته السنون هي التي واجهت الفقر والحاجة، وحاربت قسوة الظروف بعزيمة من حجر وحديد، رفضت أن تجعل من ضيق الحال عذرًا للتقصير، وأصرت على أن يكون مستقبل أبنائها مختلفًا عن البدايات الصعبة التي عرفتها.
عاد ليث إلى عمله حيث كانت طبيعة وظيفته تفرض عليه الغياب عن المنزل فترات متقطعة، ومع مرور الوقت تحولت سيارته إلى وسيلة نقل شبه دائمة لأفراد عائلة زوجته بدلا من تنقلاته الخاصة؛ يحمل بها هذا وذاك، ولا يتردد في قضاء حاجاتهم، سواء تعلق الأمر بالمقربين أو أصحاب القرابة البعيدة، كان ذلك من باب الكرم وحسن المعاملة، مؤمنا أنه سيجد صدى معروفه، لكنه أخذ يتحول في أنظارهم إلى أمر مألوف وحقوق ثابتة مستحقة لا تستدعي امتنانًا ، فما أتاحه لهم لم يقابل بالتقدير حتى تلاشت الحدود بين المساعدة والاستحقاق، وغدا العطاء، في نظرهم، واجبًا لا فضل فيه.
علم ليث أن زوجته حامل واستقبل الخبر بفرحة غامرة، فقد رأى في المولود القادم امتدادًا لحياته، وبداية فصل جديد من الأبوة والمسؤولية، وحين اقترب موعد الولادة، لم تكلف زوجته عناء إخبار أهل زوجها بالموعد، ولم تمنحهم فرصة ليكونوا إلى جانبها في تلك المناسبة التي كان من المفترض أن تجمع العائلتين، وأن تكون مناسبة للفرح والتقارب. وصل الخبر إلى أم ليث متأخرًا، فلم تتردد في الذهاب برفقة ابنتها، رغبةً منها في الوقوف إلى جانب ابنها ومشاركته فرحته بمولوده الأول، لكن الفرحة لم تكتمل.
فقد وُلد الطفل في حالة صحية حرجة، على وشك أن يفقد حياته لتنقلب لحظات الانتظار إلى خوف شديد، تعلقت القلوب بالدعاء ولم يكن لأم ليث وأبوه في تلك اللحظات سوى التضرع إلى الله، يسألانه النجاة والعافية، وأن يثلج صدورهم بأن يتابعوا خطواته الأولى وهو بين ذويه. وجاءت الأخبار الطبية لتزيد الموقف ثقلًا؛ فقد أُبلغت العائلة بأن الطفل يعاني من اضطراب قد يؤثر في نموه وتطوره، وأنه قد يكون مصابًا بالتوحد، ما يعني أنه سيحتاج إلى متابعة ورعاية وعلاج مستمر، كان وقع الخبر ثقيلًا على الجميع، إلا أن لكلٍّ منهم موقفه الخاص، فقد انشغلت حماته، في المقام الأول، بسلامة ابنتها، وبدا عليها الشفقـة عليها مما قد تحمله لها السنوات القادمة من أعباء ومسؤوليات، بل لم تستطع أن تنظر إلى الطفل إلا من زاوية ما قد يفرضه من أعباء على ابنتها، حتى تمنّت زواله إن كان في بقائه تعاسة لها.
بدأت رحلة أخرى في حياة ليث؛ رحلة العلاج والمتابعة والإنفاق، رحلة لم تكن بالقصيرة ولا السهلة فقد كانت تكاليف العلاج باهظة، وتطلبت سنوات من المتابعة والاهتمام، وكان ليث يتحمل أعباءها المالية والنفسية، دون أن يتراجع أو يقصر في مسؤوليته تجاه ابنه، لم ينظر إليه باعتباره عبئًا، بل كان ابنه الذي يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى. ومن أجله، ومن أجل مستقبله، ظل يبذل الغالي والنفيس، متشبثًا بالأمل أن تتحسن حالته، وأن يجد طريقه في الحياة بما تسمح به قدراته واحتياجاته. كبر الطفل، واشتدت ملامحه جمالًا، حتى بدا صورة مصغرة عن أبيه، يشبهه، والتحقت به شقيقتاه الأصغر منه سنًا، فأصبح الأطفال الثلاثة يشكلون عالم ليث الصغير، ومصدرًا من أهم مصادر سعادته.
طوت الأيام صفحاتها، بين مسؤوليات العمل وأعباء الأسرة ومصاريف العلاج، إلى أن قرر ليث أن يشتري قطعة أرض، ويشرع في بناء بيت عائلي كبير، يجمعه بزوجته وأطفاله، ويمنحه أخيرًا الاستقلال والاستقرار بعيدًا. بدأ البناء مرحلة بعد أخرى، وكان يرى في كل حجر يوضع في مكانه خطوة نحو حياة جديدة، حياة يكون فيها صاحب بيته وقراره، ويستطيع أن يوفر لأطفاله مساحة آمنة ينشؤون فيها بعيدًا عن الخلافات والتدخلات، لكن اكتمال البيت لا يعني اكتمال حياة تسكنها المودة ويظلّلها الأمان، ففي إحدى المرات، نشب خلاف بين ليث وزوجته، بدأ بسوء تفاهم، ثم اتسع شيئًا فشيئًا حتى تحول إلى شجار كبير زاد تدخل حماته الطين بلة، بدل أن تسعى إلى تهدئة النفوس وجمع الشمل، أخذت تصب الزيت على النار، وتزيد الخلاف اشتعالًا، حتى بلغ النقاش حدًّا لم يعد معه ليث قادرًا على السكوت، حاول أن يثنيها عن موقفها، موضحًا أن التصعيد لن يفضي إلى حل، بل سيزيد الخلاف اتساعًا وتعقيدًا، لكنها لم تعبأ بما قاله، قابلت حديثه بفتور واكتفت بتحميله مسؤولية الأطفال وحده.
جاء ردّه حازمًا، مؤكدًا أنه لم يكن مقصرًا في رعاية أطفاله، ولم يكن بحاجة إلى من يذكره بمسؤوليته تجاههم، فقد كان رغم طبيعة عمله وغيابه المتكرر، يحاول أن يخفف عن زوجته قدر المستطاع، يستغل كل إجازة ليحضر لها مؤونة تكفيها خلال فترة غيابه، ويأخذ الطفل إلى فحوصاته الدورية، ويتكفل بتوفير جرعات الدواء والعلاجات التي يحتاج إليها، حتى من المستشفى الخاص، لم يكن يرى في ذلك منّة، بل واجبًا أبويًا لا يقبل المساومة. أعلم ليث الجميع بقرار أخذ أولاده إلى والدته عندها انفجرت حماته بضحكة هستيرية، أعقبتها بسخرية لاذعة، مستنكرةً لجوءه إلى أهله “أية أهل؟”، جملة حملت من الاحتقار ما يكفي لإشعال ما تبقى من هدوئه. لم يرد عليها، ولم يدخل معها في جدال جديد، لم تعد الكلمات قادرة على احتواء الموقف، ولم يعد الحوار مجديًا، فوجد نفسه مضطرًا إلى مغادرة البيت والعودة إلى منزل والديه بحثًا عن ملاذ أكثر أمانًا لصغاره. استقبلته والدته بقلق، ونظرت إلى الأطفال قبل أن تسأله عما طرأ، حاول أن يهوّن عليها الأمر مصوّرًا ما حدث على أنه خلاف عابر بينه وبين زوجته سرعان ما سيزول، لم ترد أن تزيد من ضيقه باستجوابه إلا أن عينيه كانتا تبوحان بما تستر عليه لسانه.
وبعد أن هدأت الأمور قليلًا، ووضع أمامها ما جرى بكل تفاصيله، مستعيدًا أحداث المواجهة، ولأنها لم تكن تريد أن ترى ابنها ممزقًا بين زوجته وأهل زوجته، قررت والدته أن تتدخل بنفسها، لعلها تتمكن من احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى قطيعة يصعب إصلاحها، ذهبت إلى بيت شقيقتها، ترافقها ابنتها الكبرى، وهي تأمل أن تجد بابًا للحوار، وأن تتمكن من إعادة الأمور إلى نصابها، لكنها فوجئت بمشهد لم يكن يشبه جلسات الصلح التي تعرفها؛ فقد وجدتها في حالة من الغضب الشديد، وقد احتشدت حولها بناتها.
ارتفعت الأصوات، وانطلقت الكلمات الجارحة، وتوالت الدعوات بالشر والمصائب على ليث، مصحوبة بالتهديد والوعيد بإيذائه والإساءة إليه. ولم تتوقف حماته عند ذلك، بل أخذت تتحدث عن طلاق ابنتها منه، مؤكدة أنها ستزوجها برجل أفضل منه، وكأن سنوات الزواج وما حملته من مسؤوليات وأطفال لم يكن بالأمر الجلل. وقفت أم ليث مذهولة أمام ما تسمعه، لم تأتِ لتخوض حربًا، بل جاءت لتصلح ما أفسده الغضب.
لكن شقيقتها لم تستقبل حديثها على أنه مسعى للصلح، بل قابلته بنظرات مشحونة بالغيظ، وألقت عليها وعلى بناتها تبعة ما آلت إليه الأمور، متهمةً إياهن بأنهن السبب وراء ما حدث، تسمّرت أم ليث في مكانها للحظات، وقد بدت عليها الدهشة من اتهام لم يخطر لها أن تسمعه. مضت في توجيه اللوم إليها بحدة، محمّلةً إياها مسؤولية ما اعتبرته انحرافًا في حياة ابنتها، ومؤكدةً أنها هي من أفسد ليث وغيّر مسار حياة ابنتها، عندها أدركت أم ليث أن الحوار لم يعد ممكنًا، وأنها إن بقيت أكثر فلن تسمع سوى مزيد من الكلمات التي تعرف شقيقتها جيدًا كيف تختارها لتجرح بها من أمامها، لم تكن هذه أول مرة ترى فيها ذلك الوجه، لكنها ربما كانت المرة التي شعرت فيها بأن كل محاولات التفاهم قد وصلت إلى طريق مسدود.
غادرت المكان وعادت إلى بيتها، مثقلة بخيبة جديدة، وجدت نفسها متهمة في أمر لا تملك فيه قرارًا ولا يدًا، وحين دخلت البيت، وجدت ليث جالسًا مع أطفاله، يتولى رعايتهم ويهتم بشؤونهم، خيم الوجوم على وجهه، لم يستطع التحكم في ارتعاش يديه، وكأن جسده يترجم ما عجز لسانه عن التعبير عنه، ساكن، شارد الذهن والنظرات، حتى بدا كأنه غاب عن المكان، ولم يفق من شروده إلا على صوت خبط عنيف على باب المنزل.
لم يكد الباب يُفتح حتى اقتحمت حماته المكان، تتبعها ابنتها، وقد استبد بهما الغضب. ارتفعت أصوات الصراخ والسب والشتم، وانطلقت الكلمات الجارحة بلا حساب، ظل ليث ينظر إليهما في ذهول، محاولا أن يطابق بين هاتين المرأتين وبين الصورة التي عرفها عنهما طوال السنوات الماضية؛ كيف تحوّل ذلك الود الظاهر إلى هذا القدر من العداء؟
تأمل وجوههما المتجهمة، محاولًا أن يفهم مصدر ذلك التهور، كانت الكلمات تخرج من فم حماته كالشظايا، تتطاير في المكان، وتمزق ما تبقى في قلبه من مشاعر طيبة، لم يعد يرى في المشهد سوى قسوة عارية، ولا في الأصوات سوى العداء، حاولت إحدى شقيقات ليث التدخل لتهدئة الأجواء، لعلها تتمكن من إيقاف سيل الشتائم وإعادة النقاش إلى حدوده المعقولة. لكنها لم تكن تعلم أن تدخّلها سيجعلها هي الأخرى هدفًا للهجوم. رمقتها حماته بنظرة مشبعة بالاحتقار، ثم أطلقت لسانها بكل قسوة، لم تكتفِ فيها بإهانتها، بل طعنتها في عزوفها عن الزواج، متمنيةً لها أن تنتهي حياتها إلى تربية الأيتام لتكون طعنة استهدفت كرامة امرأة اختارت أن تؤجل حياتها الخاصة من أجل عائلتها، وأن تتحمل مسؤوليات لم تكن مفروضة عليها، بدافع الوفاء والمحبة، لكن شقيقة ليث لم تكن ممن يبتلعون الإهانة، فواجهتها بثبات، موضحةً أنها لم تتزوج بإرادتها، إذ اختارت أن تكرّس حياتها لرعاية والديها وإخوتها المرضى، والوقوف إلى جانب والدتها المسنّة.
ولم تتوقف عند ذلك، بل كشفت ما كانت تراه من جشعهم وانشغالهم بالمظاهر والماديات، مشيرةً إلى أنهم لا ينظرون إلى الرجل إلا من خلال ما يملكه وما يستطيع توفيره لهم، ولا يقدّرون ما بين أيديهم، بل تظل أنظارهم معلقة بما لدى الآخرين، يقيسون حياتهم بحياة سواهم، ويطلبون المزيد دون أن يعرفوا للقناعة سبيلًا.
كان كلامها حادًا، لكنه جاء بعد سلسلة من الإهانات التي لم تترك لها مجالًا للإمساك عن الحديث. وفجأة، اقتربت زوجة ليث منها، وسحبت ابنتها من بين ذراعي عمتها، رفعت يدها وصفعتها صفعة مدوية. ساد المكان صمت ثقيل، تجمدت الوجوه، وبقي الجميع لحظات عاجزين عن استيعاب ما حدث. لم يكن أحد يتوقع أن يصل الخلاف إلى هذا الحد من التجاوز، وأن تتحول الكلمات إلى اعتداء جسدي داخل بيت العائلة، وأمام أعين الجميع. شعرت شقيقة ليث بالإهانة، لكنها حمدت الله في سرها أن أخاها لم يكن حاضرًا في الغرفة لحظة وقوع الحادثة، لم تشأ أن تزيد أوجاعه، ولم ترغب في أن تتحول الواقعة إلى فضيحة جديدة تزيد الشرخ اتساعًا، فاختارت كتمان ما حدث، وابتلعت مرارة الإساءة. انتهى النقاش على وقع تلك الصفعة، وأخذت الزوجة أطفالها ورافقت أمها، ثم غادرتا البيت. أطبق على ليث وأهله صمت مثقل بالخذلان. فما قيل لم يكن من الهوان، وما خلّفته المواجهة في نفوسهم لم يكن جرحًا يسرع التئامه بانتهاء الشجار، لكن القطيعة لم تطل.
فقد عاد ليث وزوجته إلى الصلح، وقررا أن يستمر مركب الحياة في الإبحار، رغم الثقوب التي أخذت تتسع في قاعدته، ورغم الأمواج التي توالت من كل جانب. لم يكن ذلك الصلح إيذانًا بصفو الحياة، ولا دليلًا على أن الأمور قد استقامت، أو أن القلوب قد استقرت؛ بل كان، في جانب كبير منه، محاولة للحفاظ على الأسرة، وحرصًا على ألا يدفع الأطفال ثمن خلافات لم يختاروها، ولا يملكون القدرة على استيعابها أو الدفاع عن أنفسهم أمامها. وهكذا استمر ليث في محاولة جمع ما يتناثر من حياته، متمسكًا بأطفاله، متحملًا ما استطاع من أعباء، ومؤمنًا أن الأيام قد تحمل معها شيئًا من التغيير.
كبر ابن ليث، وتعافى من التوحد بعد أن أنفق والده أموالًا طائلة على أحدث العلاجات المتاحة. عاد إلى حياته طفلًا يخطو بثبات نحو مستقبله، والتحق بالمدرسة، ولم يلبث أن أصبح من نجباء الطلبة. كان ليث يرى فيه ثمرة سنوات من الصبر والإنفاق والمثابرة، وربما كان نجاح ابنه أحد الانتصارات القليلة التي استطاع أن ينتزعها من بين مخالب الحياة، أما علاقته بعائلة زوجته، فلم تعرف طريقًا إلى الصلح، استمرت القطيعة على حالها، ولم يعد ثمة ما يوحي بأن المياه ستعود يومًا إلى مجاريها.
ومضت الأيام، حتى جاء يوم وفاة والد ليث، كان الفقد قد ألقى بظلاله على الأسرة، لكن أحدًا لم يكن يعلم أنه سيترك في حياته بداية وجع آخر، إذ لاحظ انتفاخًا مفاجئًا في عينه، فنصحه شقيقه الطبيب بإجراء الفحوص اللازمة للاطمئنان على حالته. لم يكن الانتفاخ أمرًا طبيعيًا كما تمنى الجميع، فقد كشفت الفحوص أن سببه ورم في محجر العين، سارع شقيقه في التحرك وحجز له موعدًا لإجراء عملية استئصال الورم.
أُجريت العملية، وأُرسلت العينة إلى المختبر للفحص وانتهت إلى تشخيص لم يكن أحد مستعدًا لتلقّيه؛ إصابة ليث بسرطان المايلوما. كان وقع الخبر على أهله كإعصار مباغت اجتاح كل ما تبقى في نفوسهم من طاقة وأمل. أما ليث، فقد أخذ يسترجع ما مضى خطر له أن سنوات القلق والنكد والشجارات والمهاترات التي أحاطت بحياته لم تمر من دون ثمن، وأنه ربما كان هو من سيدفع الفاتورة وحده. عاد إلى أهله، وجسده يرتجف من البرد، في تلك الساعة المتأخرة من الليل. كان يريد أن يرتمي في حضن أمه، أن يعود للحظة طفلًا صغيرًا لا يحمل على كتفيه هموم الحياة ولا يطارده الخوف من الغد، أراد أن يسكت كل ذلك الضجيج الذي استقر في داخله، وأن ينام طويلًا، هاربًا من كل ما يحيط به، لعل ما يعيشه ليس إلا كابوسًا ثقيلًا، ولعله يستيقظ منه فيجد أن كل شيء كان مجرد حلم.
نظر إلى الظلام الذي يملأ الغرفة. ومن خلف النافذة كانت أنوار الطريق تتسلل إلى الداخل، رغم إغلاق النوافذ وإسدال الستائر. تسربت خيوط الضوء من بين شقوقها، فرسمت خطوطًا متوازية على السجادة التي تغطي أرض الغرفة، ظل يتأمل تلك الخطوط طويلًا، كأنما هي قضبان حديدية، تفصل بينه وبين مستقبل كان يتمنى أن يعيشه كاملًا إلى جانب أبنائه. أغمض عينيه محاولًا الابتعاد عن وجوه وأشخاص ارتبطت في ذاكرته بالحزن والتعب، وعن الحياة بكل ما حملته له من خيبات. لقد ضاق بكل شيء، إلا أصوات أبنائه؛ كانت وحدها قادرة على أن تلامس قلبه وتعيد إليه شيئًا من السكينة.
اعتدل في فراشه، وأدار ظهره للنافذة، كأنه يبحث عن مهرب من أفكاره، رفع الوسادة ووضعها فوق أذنه، وأغمض عينيه، لكن الفكر العكر عاد يطارده. خيمت عليه الأفكار، كم سيطول حزنهم عليه إذا رحل؟ وهل سيظل حاضرًا في ذاكرتهم، أم ستطوي الأيام ذكراه؟ لم يكن يظن أن أبناءه سينكرونه، ولا أنه سيغيب عن قلوبهم بسهولة، لكنه كان يخشى قسوة الزمن وما قد يفعله بالنسيان.
قرر ليث أن يباشر العلاج، كان يعلم أن متوسط البقاء على قيد الحياة مع هذا المرض قد يتراوح بين سنتين وثماني سنوات، لكنه لم يكن مستعدًا للاستسلام قبل أن يخوض معركته كاملة، بدأت رحلته العلاجية بجلسات العلاج الكيميائي والإشعاعي، واستمرت مرحلته العلاجية الأولى قرابة سنة. ثم عاد المرض من جديد، فعاد معه إلى العلاج بالطريقة نفسها، هذه المرة مع إخضاعه لعملية زراعة ذاتية للنخاع العظمي. نجحت عملية الزرع، وغادر المستشفى بعد رحلة قاسية. وفي فترة النقاهة، لم يسمح لنفسه بالاستسلام للراحة طويلًا. كان يكمل بناء بيته، ويتابع شؤونه، ويصطحب أبناءه إلى القاعة لممارسة الرياضة، ظل ينجز أعماله بنفسه، ويحاول أن يعيش حياته كما اعتادها، فلم يترك لمرضه مجالًا ولا حقًا في أن يسلبه دوره أبًا ومسؤولًا عن أسرته.
سبع سنوات كاملة مضت على مرضه، بين كرّ وفرّ؛ أيام يقضيها في البيت، وأيام أخرى تطول فيها إقامته في المستشفى. جُرّبت عليه أنواع كثيرة من الأدوية والعلاجات، وكانت رحلته أشبه بحرب شرسة لا يعلم نهايتها إلا الله.
ومع بداية السنة الثامنة، بدأت حالته تتدهور بصورة واضحة، فاشتدت عليه الأعراض، وتزايدت جلسات العلاج الكيميائي، وأصبحت إقامته في المستشفى أطول من ذي قبل. كان يتحسن أحيانًا، فيغتنم كل فرصة للخروج والعودة إلى بيته ليكمل ما بدأه بيديه. كان بيته يشغله أكثر من أي شيء آخر، أراد أن يترك لأبنائه مأوى آمنًا يجمعهم ويحفظهم من تقلبات الحياة. لذلك، ما إن تتحسن حالته قليلًا حتى يعود إلى ورشة العمل التي لم تنتهِ بعد.
بعد أيام قليلة، عاد المرض بصورة أسرع وأشد قسوة، لم يعد العلاج الكيميائي يحقق النتيجة المرجوة، فطلب منه الأطباء إجراء تصوير مقطعي. التي كشفت عن انتشار الأورام في رأسه بكثافة وسرعة كبيرتين.
كان ليث قد خاض معركته سنوات طويلة، لكنه وجد نفسه أمام مواجهة مختلفة، أكثر شراسة من كل ما سبق. أكان قادرًا على إكمالها حتى النهاية، أم أن جسده أنهكه القتال، وأن الأوان قد حان ليسقط على حلبة المعركة، تاركًا لخصمه راية الانتصار. بعد استكمال الفحوص والإجراءات، تبيّن أن المرض بلغ مرحلته الأخيرة، وأن الأمر لم يعد إلا مسألة وقت، عندها فقط طلب ليث من شقيقه الطبيب أن يتستر عن تطورات حالته، أبى رؤية الخوف في عيون أهله، ولا أن يضطر إلى شرح ما بات يعرفه.
جمع الصور ومقاطع الفيديو التي توثق رحلاته مع أسرته وذكرياتهم المشتركة. جلس إلى مكتبه ورتبها بعناية على أقراص مدمجة، مدونًا تواريخها واضعا لها في حواملها حسب ترتيبها الزمني. كان يعلم أن تلك التسجيلات ستظل معهم طويلًا، وأنهم سيعودون إليها كلما اشتاقوا إليه، فيرون وجهه ويسمعون صوته. وفي صباح اليوم التالي، خرج باكرًا إلى إدارة شؤون عمله، واغتنم الفرصة للطلب من المسؤولين هناك، بعد وفاته، إتمام جميع الإجراءات اللازمة لتسهيل حصول زوجته وأبنائه على مستحقاتهم، حتى لا يواجهوا تعقيدات إدارية أو مشقة إضافية في وقت سيكونون فيه أحوج ما يكونون إلى من يساندهم. تعجب العاملون في الإدارة من هدوئه وشجاعته. كان يقف أمامهم رجلًا يعرف أن المرض يقترب من نهايته، ومع ذلك يفكر في ترتيب أمور أسرته وتأمين مستقبلها. لم يكن منشغلًا بالخوف على نفسه بقدر انشغاله بما سيتركه وراءه.
أنجز ما استطاع إنجازه، ثم ركب سيارته قاصدًا بيت والدته وأشقائه كان ذلك اللقاء مختلفًا عن كل اللقاءات السابقة. امتدت الأحاديث، وتعالت الضحكات بين الحين والآخر، واستعادوا ذكريات قديمة، استحضروا ذكرى الغائبين، ومن تقاسموا معهم أفراح الحياة وأحزانها. بدا وكأنه يريد أن يستعيد في ساعات قليلة عمرًا كاملًا عاشه بينهم، ثم التفت إليهم، وقد بدا صوته هادئًا على نحو أثار في نفوسهم مزيدًا من القلق، وراح يناشدهم أن يكثروا له من الدعاء، راجيًا ألّا يمد في عمره الله إن كان بقاؤه سيضطره إلى الاتكال على سواه، أسيرًا لشفقة الآخرين، يضطر إلى استعطافهم أو يكشف لهم عن ضعفه وانكساره.
امتلأت عينا أمه بالدموع، ولم تستطع أن تخفي ما أحدثته كلماته في قلبها، فعاتبته على حديثه الذي أثار مخاوفها وأوجع فؤادها. اقترب منها، وطبع قبلة على جبينها، ثم أخذ يعبّر لها عن عميق امتنانه لها ولشقيقاته، مؤكدًا أنه أدرك مع مرور السنين أن النساء اللواتي يشبهنها في صفاء نفوسهن ورضاهن نادرات. فلم تستطع المظاهر والماديات أن تغيّر قلوبهن، وظلت القناعة راسخة في نفوسهن، راضيات بما قسمه الله لهن، لا تمتد أعينهن إلى ما في أيدي الآخرين. قارن بينهن وبين ما رآه من جشع بعض الناس، ممن لا يعرفون حدًّا للاكتفاء، ولا يترددون في طلب المزيد وكأن الدنيا لا تملأ أعينهم مهما نالوا منها، فالنفوس التي استولى عليها الطمع لا يشبعها شيء، ولا يوقف سيل أطماعها إلا التراب.
خرج ليث من بيت والديه وقد خالجه إحساس أن هذه الخطى قد تكون آخر عهده هناك، عاد إلى أبنائه، واجتمع بهم،
كان ابنه أول من جلس إلى جواره، وخصّه بحديث اتسم بالجدية والوقار، حديثٍ أراد له أن يكون أقرب إلى وصايا سليمان، وصايا يسلّمه فيها أمانة المسؤولية، أكثر منه إلى كلمات أب يودّع ابنه، أن يكون خلال غيابه سندًا لأسرته، وأن يتحمّل مسؤولية البيت ووالدته وشقيقتيه، وأن ينشأ رجلًا صالحًا مستقيم الخلق، يعتزّ بتربيته ويحفظ لأهله مكانتهم وكرامتهم. أن يكون امتدادًا طيبًا لأصل عائلته، وأن يترك في كل مكان تطأه قدماه أثرًا حسنًا. انتقل بنظره إلى ابنته الوسطى، وأحاطها بوصايا لا تقل أهمية، حاثًّا إياها على أن تكون لأخيها أختًا عطوفةً وسندًا يعينه على مواجهة الحياة، وأن تحيط شقيقتها الصغرى برعايتها واهتمامها، فلا تغفل عن حاجتها إلى الحنان والتوجيه، ولا تنسى ما حرص على غرسه فيهم من قيم ومبادئ طوال السنوات الماضية. وأكد لهم أن المال، مهما بلغت قيمته، ليس مقياسًا لقدر وعزة المرء، وأن ما ينبغي لهم التمسك به حقًا هو نقاء السمعة، وطيب الأصل؛ فتلك هي جذورهم، والأثر الذي يأمل أن يحملوه عن اسمه إلى القريب والبعيد.
آوى إلى فراشه، إلا أن شيئًا في تلك الليلة لم يكن على مألوفه، لم يعد ذلك الملاذ البارد الذي يأوي إليه بعد عناء المستشفى، بدا وكأنه يحتضنه للمرة الأخيرة، كل شبر منه يودعه، أركان غرفته تهتز لثقل ما خفي وانساب بين الجدران، ينذر بغياب لن يكون ككل غياب. وفي صباح اليوم التالي، دخل المستشفى لتلقي أقوى جرعات العلاج الكيميائي، لكن المرض كان قد تجاوز قدرة العلاج على إيقافه، واستمر في الاستيطان والاستعمار، الانتشار والتوزع، دخلت عليه والدته. وما إن استقر بصره على وجهها حتى غلبه الحنين وطلب منها لو تزيح الكمامة عن وجهها قليلًا، ليتأملها كما يشاء ويحفر ملامحها التي اكتست جمالا وبريقا في ذاكرته وأن يأخذ معه من تلك اللحظة ما يعينه على ما ينتظره.
بعد انتهاء وقت الزيارة، بقيت زوجته إلى جانبه وقبيل أذان الفجر من صباح يوم الجمعة، تدهورت حالته أكثر جراء انخفاض كفاءة قلبه. إلا أنه ظل في كامل وعيه، محتفظًا بشجاعته، ولم تفارق الابتسامة وجهه، تلك الابتسامة التي عرفه بها كل من عاشره. رددت زوجته بصوت غمره الخوف: ” لمن تكلني”، “لأهلك، وإن عصفت بك الدروب وانقطعت بك السبل، تجدين في أهلي سندًا وعونًا” رد في ثبات وثقة.
استعجل الأطباء في الحضور وقرروا نقله إلى غرفة الإنعاش، وقبل أن يخضع للتنبيب وتخدر قدرته على الكلام، التفت إلى طبيبة الإنعاش، ارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة، ثم استودعها رجاءه الأخير: “عاهديني أن أستفيق لأرى ثمرات فؤادي”. اختزنت عيون المحيطين بالشفقة مستغرقين التحديق في الجسد الممدد أمام أنظارهم، أهلكته سنون المكابدة والجلسات المتعاقبة وكان أملهم أن يستجيب الله لدعوات أهله وأحبائه.
نطق ليث بالشهادة، واستسلم لقضاء الله وقدره، ومضت الدقائق التي كان يُنتظر أن يستعيد وعيه بعدها، لكن الاستفاقة الذي تعلق بها الجميع لم تأتِ. كان قضاء الله قد نفذ، عمرٌ من الأسى والمعاناة، استنفذ فيه ما كان في جعبته إلى أن خارت قواه وانتهت المعركة التي طالما أبى أن يرفع رايتها البيضاء.
أُعلنت وفاته مع أذان الفجر، توقفت الآلات عن أنينها أطبق السكون على الأرجاء، غم جاثم على القلوب وغصة مريرة تخنق الحناجر، فيما تتعالى عبارات من ذهب اختصت بالاسترجاع والتسليم بقضاء الله وقدره، وترددت على الألسنة محاولة إطفاء لهيب الفجيعة المحتبس في الأفئدة. غاب ليث عن الساحة تاركًا خلفه أبناءً أحبهم ملء قلبه، وبيتًا أتم بناءه ليكون مأواهم، وذكريات رتبها بعناية تعصم صورته من الغياب والنسيان. لم يتخذ من ألمه ذريعةً للتنصل من مسؤولياته ولا لرهبة رحيله أن تصده عن تخطيطه لمن سيتركهم خلفه. “وجوه يومئذ ناضرة..، إلى ربها ناظرة”، مضى في ذلك مترجلًا عن دنو دنيا أضناه فيها السقم والتراكمات، راجيًا أن يتغمده الله بواسع رحمته ولقاءه.
وظل في خضم ما انهال عليه من محنٍ، أبًا عطوفًا لم ينشغل قلبه عن أبنائه، وابنًا يتوق إلى حضن أمه، وإنسانًا أراد أن يبقى له في الحياة بصمة وأثرًا طيبًا لا تطمسه الأيام،
ثمانية أعوام من النضال حدق في كل ساعة منها في عيني الفناء… فلم تكن آخر أمانيه من الحياة سوى نظرة أخيرة في عيون زهرات عمره، وأن يجود عليه الأجل من ثوانٍ ختامية يغمرهم فيها بقبلاتٍ من غالٍ ونفيس، من جمرٍ ولهفة، يودعها جباههم، حتى تلقى روحه بارئها ويعيد الأمانة إلى من استودعه إياها.

