من يحمي خيمة كردستان من نيران أبنائها ؟ – محمد ديب أحمد

من حكاية آبي سورو إلى مخاطر الخلافات السياسية في إقليم كردستان
هل أصبحنا نختلف على اقتسام الخيمة ، إلى درجة أننا مستعدون لإحراقها فوق رؤوسنا ، بينما ينتظر الجيران حولها فرصة لإضافة المزيد من الحطب ؟
إنها ليست خيمة عادية ، بل مخزون من الآلام والمآسي والتضحيات والشهداء والدموع التي روت جبال كردستان وسهولها .
إنها حصيلة عقود من النضال والتضحيات ، ومكتسبات سياسية ومؤسساتية لم تأتِ من فراغ ، حتى يصبح مصيرها رهينة خلافات الأحزاب وحساباتها .
ولعل ما نشهده اليوم في إقليم كردستان يعيد إلى ذاكرتنا حكاية العم سورو ، أو «آبي سورو»، الذي كان متزوجاً من زوجتين ، وكثيراً ما كانت الخلافات تنشب داخل خيمته .
وفي إحدى المرات ، ضاق ذرعاً بالمشاجرات ، فأخرج مخزونه من القنب ، أو «كِندر» بالكردية ، وأشعل النار فيه أمام باب الخيمة .
اجتمع الجيران ، وبدلاً من إطفاء النار وإنقاذ ما تبقى ، أخذوا يضيفون إليها ما بقي من القنب ، وهم يقولون له :
ماذا تريد أن تفعل يا آبي سورو ؟
 يبدو أن الجو بارد وتريد أن تتدفأ !
والمفارقة أن هذه الحكاية الشعبية تبدو اليوم أقرب إلى مشهد سياسي نعيشه في إقليم كردستان .
فالتصريحات الصادرة عن قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني ، والتهديد بالانسحاب من حكومة الإقليم ، وما رافق ذلك من مواقف متبادلة بشأن البرلمان والمؤسسات وآليات إدارة السلطة ، تضع التجربة السياسية أمام اختبار يتجاوز الخلاف على المناصب والحصص الحكومية .
من حق الاتحاد الوطني أن يعترض ، ومن حق الحزب الديمقراطي أن يتمسك بمواقفه ، كما أن الشراكة السياسية لا تعني إلغاء الاختلاف أو فرض إرادة طرف على آخر .
 لكن الخلاف السياسي يحتاج إلى مؤسسات تحتكم إليها الأطراف ، لا إلى تهديد متبادل يفتح الباب أمام سلطات ومراكز قرار متوازية .
وهنا تكمن الخطورة ؛
 فالإقليم الذي يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية ، لا يحتمل الدخول في أزمة جديدة حول شرعية المؤسسات ووحدة القرار .
 وأي انقسام في الإدارة أو تعطيل للمؤسسات لن يبقى محصوراً بين الحزبين ، بل ستنعكس نتائجه على المواطنين والموظفين والاقتصاد والخدمات ، فضلاً عن موقع الإقليم السياسي وعلاقاته الداخلية والخارجية .
ولا ينبغي أن نغفل أن الإقليم يقع وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد ، وأن أطرافاً خارجية تراقب خلافاته وتتعامل معها وفق مصالحها . وعندما تتراجع وحدة الموقف الكردستاني ، تتسع المساحات أمام الآخرين للتأثير في قراراته ومكتسباته .
 وهنا قد يتحول بعض الجيران من متفرجين على الحريق إلى مساهمين في توسيعه ، تماماً كما حدث في حكاية آبي سورو !
إن السؤال ليس من يربح جولة سياسية أو يحصل على حصة أكبر من المناصب ، بل من يتحمل مسؤولية النتائج إذا تحول الخلاف إلى انقسام مؤسساتي يصعب احتواؤه ؟
ومن يضمن ألا تصبح المكتسبات التي تحققت عبر عقود من التضحيات جزءاً من فاتورة صراع حزبي لا رابح فيه ؟
وإذا كانت الخيمة تتسع للجميع، فلماذا يصرّ البعض على إحراقها كلما اختلفوا على مكان الجلوس فيها ؟
إن الاحتكام إلى لغة العقل والمصلحة العليا ليس تنازلاً حزبياً، بل مسؤولية سياسية . فالأحزاب قد تختلف وتتغير مواقعها في السلطة ، لكن إقليم كردستان ومكتسبات شعبه أكبر من الجميع ، ولا يجوز أن يتحول إلى وقود في معارك الحسابات الحزبية .
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *