قراءة في قوة الهوية ووحدة الوجدان
ثمة أشياء لا تحتاج إلى خطابات طويلة كي تجمع الناس، ولا إلى مؤتمرات حزبية كي توحّد مشاعرهم .
أحياناً تكفي كرة قدم، وقميص بألوان معروفة، واسم يحمل ذاكرة مدينة وهوية شعب .
هذا ما يجعل تجربة نادي آمد سبور تستحق التوقف عندها، حتى بالنسبة لمن لا يتابع كرة القدم من أمثالي، ولا يعرف الكثير عن تفاصيلها .
فالقضية هنا ليست رياضية بقدر ما هي سياسية واجتماعية .
آمد سبور لم يعد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الكورد مجرد فريق يخوض مباريات ويحصد النقاط، بل أصبح مساحة يلتقي فيها المختلفون، وتتقاطع حوله مشاعر الانتماء والاعتزاز، رغم اختلافاتهم الحزبية والسياسية والفكرية .
المفارقة اللافتة أن هذا النادي استطاع أن يجمع حوله مشاعر وأطيافاً كوردية متعددة، في وقت أخفقت فيه أحزاب وقوى سياسية، على امتداد عقود، في تجاوز كثير من خلافاتها، أو بناء مساحة مشتركة تتسع للجميع .
لا يعني ذلك أن آمد سبور حلّ محل السياسة، أو أنه قادر على معالجة تعقيدات القضية الكوردية، فلكل مجال أدواته واستحقاقاته . لكن تجربته تقدم درساً يستحق التأمل :
الانتماء المشترك، حين يجد مساحة جامعة، يستطيع أن يتجاوز كثيراً من الحواجز التي صنعتها الحسابات الحزبية والمصالح الضيقة .
ولعل السر الكامن وراء نجاح آمد سبور يكمن في ابتعاده عن براثن البيروقراطية الحزبية وصراعات النفوذ ؛ فالسياسة الكوردية اليوم باتت بحاجة ماسة إلى «تأميم وطني» يحرر القضايا المصيرية من الحسابات الفئوية الضيقة .
إن استعادة الثقة لا تتم عبر خطابات التعبئة الموسمية، بل بإعادة الاعتبار للإرادة الجماعية، وصياغة مشروع جامع يضع كرامة الإنسان وحقوقه فوق كل اعتبار، لتعود السياسة خادمة حقيقية لتطلعات الشعب، لا عائقاً في وجه وحدته .
والأهم أن هذا الحضور لم يبقَ محصوراً في مدينة آمد، بل امتد إلى مدن وبلدان عديدة، وأصبح النادي حاضراً في وجدان كورد يعيشون في أجزاء كردستان المختلفة وفي المهجر .
أنا لست متابعاً رياضياً، ولا أكتب عن نتائج المباريات، لكن من الإنصاف أن نرى ما وراء المستطيل الأخضر . فهناك رسالة تتجاوز الرياضة :
الناس تبحث عما يجمعها، لا عما يذكّرها كل يوم بخلافاتها .
ربما على بعض القوى السياسية أن تتأمل هذه التجربة، وأن تسأل نفسها :
كيف استطاع نادٍ رياضي أن يقرّب القلوب، بينما عجزت أحزاب تمتلك التاريخ والتنظيم والإمكانات عن تحقيق ذلك ؟
آمد سبور تستحق الاهتمام، ليس فقط لما تحققه في الملاعب، بل لما تكشفه خارجها من قوة الانتماء المشترك، ومن حقيقة بسيطة كثيراً ما تغيب عن حسابات السياسيين :
الشعوب لا تحتاج دائماً إلى من يذكّرها باختلافاتها، بقدر ما تحتاج إلى من يمنحها سبباً لتلتقي .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

