أخوة الدم والمصير.. لا تهدموا بالخلاف ما بُني بالتضحيات- بقلم صبيح الكعبي

 

لم يكن كيان إقليم كردستان منحةً عابرة على طاولات السياسة، بل كان ثمرة عقود طويلة من النضال المرير، وتضحيات جسيمة روت تراب الجبال والوديان بدماء قوافل الشهداء، وصبر الأمهات، ومعاناة المهجرين. لقد توحدت في تلك السنوات العصيبة بنادق البيشمركة وإرادة الأحرار تحت راية واحدة، فانتزعوا بدمائهم وتلاحمهم الاعتراف الدستوري والكيان القائم اليوم. وأمام التصعيد السياسي الأخير الذي يهدد بوحدة الصف، تفرض هذه الأمانة التاريخية على الجميع استحضار حقيقة لا تقبل الجدل: إن الفرقة ضعف، والتناحر هدم، والضغائن الحزبية لا تخدم الإقليم ولا تليق بتضحيات أبنائه.

إن خطورة استمرار هذا الانسداد لا تقتصر على تعطيل المؤسسات أو إضعاف الموقف التفاوضي للأكراد في بغداد فحسب، بل تمتد لتهدد جوهر التجربة الديمقراطية ونظام الإدارة اللامركزية في العراق. فتجربة إقليم كردستان تمثل نموذجاً دستورياً رائداً، والحفاظ عليها وتطويرها هو مسؤولية وطنية مشتركة؛ إذ إن الانقسام الإداري أو العودة إلى مربع التشظي سيوجه ضربة قاسية لمفهوم الفيدرالية واللامركزية، وسيعطي ذرائع للمشككين بجدوى تجربة الأقاليم برمتها، مما يهدد المكتسبات الدستورية التي تحققت بتضحيات جسيمة.

ولحماية هذه التجربة وصون المسار الديمقراطي، لا بد من مغادرة مربع التصعيد واللجوء إلى لغة العقل والحكمة، عبر الدعوة إلى جلسة حوارية شاملة تجمع الأطراف الكردية كافة، برعاية وضمانة من الحكومة الاتحادية في بغداد. فبغداد، بوصفها المظلة الدستورية للجميع، قادرة على لعب دور الوسيط النزيه لتقريب وجهات النظر وتوفير مناخ إيجابي يساعد الأشقاء على تجاوز خلافاتهم، انطلاقاً من أن أمن الإقليم واستقراره هما ركيزة أساسية لاستقرار العراق كله.

إن نجاح هذا الحوار يتطلب جرأة في الصراحة ووضوحاً في بيان الحقائق، بعيداً عن الحلول المؤقتة أو المجاملات السياسية. فالمطلوب اليوم هو وضع كافة الملفات الخلافية على طاولة البحث بشفافية، للوصول إلى تفاهمات متوازنة تضمن الشراكة الحقيقية وترضي جميع الأطراف، وتؤسس لمرحلة جديدة تُعلي من شأن المؤسسات الدستورية وتصون مستقبل الديمقراطية واللامركزية.

ختاماً، ستبقى أرواح الشهداء وعيون الأجيال القادمة شاهدة على هذه اللحظة التاريخية؛ فإما أن ترتقي القيادات إلى مستوى أخوة الدم والمصير فتجلس على طاولة الحوار الصادق لإنقاذ البيت الكردي، وإما أن يكتب التاريخ أن ما عجزت عن كسره أعتى الأنظمة عبر العقود، قد تصدع بأيدي أبنائه في لحظة خلاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *