ليست مأساة سناء عبد السادة عثمان مجرد حكاية امرأة أعدمت في زمن الدكتاتورية، بل هي فصل مؤلم من تاريخ القمع السياسي في العراق، وشهادة على ما تعرض له المعارضون السياسيون وأصحاب الرأي من اعتقال ومحاكمات جائرة وأحكام بالإعدام. وهي، في الوقت نفسه، قضية تتطلب توثيقاً دقيقاً لا يكتفي بالروايات المتداولة، بل يراجع الشهادات ويقارن بينها ويصحح ما قد يكون اختلط من أسماء ووقائع.
إن استعادة سيرة سناء وأفراد أسرتها ليست استذكاراً لمأساة عائلية فحسب، وإنما محاولة لإعادة أسماء الضحايا إلى الذاكرة الوطنية، والإنصات إلى الشهود الذين عاصروا تلك المرحلة، وتثبيت الوقائع بما يحفظ حق الضحايا وذويهم في الحقيقة.
ولدت سناء عبد السادة عثمان في مدينة الحلة عام 1956، وتخرجت في معهد التكنولوجيا. كانت متزوجة ولديها طفل، قبل أن تنقلب حياتها وحياة أسرتها إلى مأساة إثر اعتقالها عام 1986، بسبب تتعلق انتمائها إلى منظمات الحزب الشيوعي العراقي.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن سناء كانت في كردستان، ثم توجهت إلى الداخل العراقي عن طريق منطقة سوران، برفقة شقيقتها. وقد اعتقلتا عام 1986 إثر وشاية من شخص قيل لاحقاً إنه كان وكيلاً للأمن، وكان يسكن في منطقة الوزيرية ببغداد. وفي عام 1988 صدر بحقهما حكم بالإعدام، نفذ في ظل النظام الدكتاتوري، بعد محاكمتهما أمام محكمة الثورة التي كان يرأسها عواد البندر.
من الشهادات التي تناولت أجواء المحاكمة وما جرى داخل محكمة الثورة، شهادة الناشط سربست مصطفى رشيد آميدي، الذي كان موجوداً مع المعتقلين أثناء المحاكمة، ونشر روايته في موقع الحوار المتمدن.
يقول في شهادته: (وبعدها وبدون إجراء أية مداولة أصدرت المحكمة قرار الحكم، والذي كان الإعدام شنقاً حتى الموت لنا جميعاً، وأسند الحكم إلى عدد من مواد قانون العقوبات. وأثناء تلاوة القاضي للقرار نزعت الشهيدة سناء عبد السادة فردة من نعالها وصوبته نحو المجرم عواد البندر رئيس محكمة الثورة سيئة الصيت، وأصابته في رأسه، علماً أن الشخصين الجالسين على يمينه ويساره خفضا رأسيهما تحت الطاولة).
وتنسب هذه الرواية واقعة رمي النعل إلى الشهيدة سناء، خلافاً لما ورد في بعض الروايات الأخرى التي نسبت الموقف إلى شقيقتها وفاء. وهذا الاختلاف يستدعي التوقف والتدقيق، بدلاً من اعتماد رواية واحدة من دون مراجعة بقية الشهادات.
في هذا السياق، وردتنا شهادة مهمة من الشاعر جبار الكواز، الذي أوضح أنه كان من أقرب أصدقاء المرحوم أحمد عبد السادة شقيق سناء، تربطه به صلة رحمية قريبة، وكان شاهداً على جانب من حياته العائلية ومصيره بعد خروجه من الاعتقال.
يذكر الكواز أن أحمد توفي بعد خروجه من الاعتقال بنحو ست سنوات، وأنه كان أول من دخل منزله بعد اتصال من زوجة أحمد، وهي خالة زوجته. ويضيف أنه أسرع به بسيارته إلى مستشفى مرجان في الحلة، لكنه توفي عند دخوله ردهة الطوارئ، وكان بين يديه. ووفق ما ذكره، فإن سبب الوفاة، بحسب شهادة الوفاة، كان احتشاءً في عضلة القلب.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تصحح معلومة وردت في المقال السابق، إذ إن أحمد عبد السادة لم يكن من الذين نفذ فيهم حكم الإعدام، بل توفي بعد خروجه من الاعتقال بسنوات، وفق شهادة الكواز.
أما بشأن مصير جثامين الشهداء، فيقدم جبار الكواز رواية أخرى ذات أهمية كبيرة، إذ يؤكد أن شقيقهم الأكبر، المرحوم نجم، المعروف بأبي مهند، تسلم جثامين الشهداء من مشرحة مدينة الطب في بغداد، بعد أن دفع مبالغ مالية لبعض أفراد الأمن، وبمرافقة شرطيين، ووفق شروط قاسية تضمنت عدم إقامة مجلس فاتحة وعدم فتح الأكفان.
ويذكر الكواز أن المرحوم نجم، بمساعدة صديقه المرحوم جبار معروف، تولى دفن الجثامين ليلاً في مقبرة وادي السلام بالنجف الأشرف، وأن أقارب الشهداء ومحبيهم يزورون قبورهم باستمرار.
وهذه المعلومة تصحح ما ورد في مقالي السابق بشأن بقاء أماكن دفنهم مجهولة. من خلال ثبات هذه الرواية بشهادات عائلية مستقلة، فإن الحديث لا يعود عن قبور مجهولة، بل عن جثامين تسلمتها الأسرة في ظروف استثنائية وقاسية، وتمكنت من دفنها وزيارة قبورها، رغم القيود التي فرضتها الأجهزة الأمنية آنذاك.
من المهم هنا أن نوضح أن الشهادة الجديدة تذكر أسماء إبراهيم وسناء وهناء، بينما ورد اسم وفاء في الرواية السابقة المتعلقة بالمحاكمة وواقعة رمي النعل. وهذا الاختلاف في الاسماء يستحق المراجعة والتدقيق، ولا يصح تجاوزه أو استبدال اسم بآخر من دون وثيقة أو شهادة واضحة تحدد صلة كل شخص بالقضية ومصيره.
الذاكرة مسؤولية لا تحتمل الخلط
إن ما تكشفه الشهادتان يضع أمامنا مسؤولية توثيقية وأخلاقية. فالرواية التاريخية لا تبنى على حسن النية وحده، ولا يكفي أن تكون الشهادة مؤثرة حتى تصبح جميع تفاصيلها محسومة. إنما ينبغي جمع الروايات ومقارنتها، والعودة إلى الوثائق الرسمية وشهادات أفراد الأسرة والأصدقاء وكل من عاصر الأحداث.
كما أن اختلاف الشهادات بشأن واقعة رمي النعل لا يقلل من أهمية الموقف الذي جرى داخل المحكمة، لكنه يفرض علينا ألا ننسبه إلى اسم بعينه قبل استكمال التحقق. فحفظ أسماء الضحايا ووقائع حياتهم جزء من احترام تضحياتهم، والخطأ في الاسم أو المصير قد يتحول، مع تكرار النشر، إلى معلومة تاريخية يصعب تصحيحها لاحقاً.
إن مأساة هذه الأسرة لا تختصرها أحكام الإعدام وحدها، بل تشمل الاعتقال والفقد والحرمان من أبنائها، والضغوط التي واجهها ذووهم حتى في تسلم الجثامين ودفنها. وتكشف رواية دفن الجثامين ليلاً، وبالشروط التي فرضتها الأجهزة الأمنية، جانباً من المعاملة القاسية التي تعرضت لها العائلات العراقية في تلك الحقبة.
من هنا تبرز أهمية جمع الوثائق والصور وشهادات الأقارب والأصدقاء، وتحديد الأسماء والتواريخ ومواقع الدفن بدقة، بما يتيح بناء سجل موثق لهذه القضية، بعيداً عن الالتباس والتداول غير المدقق.
إن استعادة سيرة سناء عبد السادة عثمان وأفراد أسرتها ليست مجرد استعادة لذكريات شخصية، بل هي جزء من مسؤولية الذاكرة الوطنية في توثيق ما جرى، وإنصاف الضحايا، وحفظ أسماء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم وأفكارهم.
لقد رحل الشهداء، ورحل معهم بعض من حملوا تفاصيل الحكاية، لكن ما تركوه من شهادات يظل أمانة في أعناقنا. وليس من الإنصاف أن نكتفي بسرد المأساة، بل علينا أن نتحرى الدقة في كل تفصيل، وأن نمنح الشهود حقهم في أن تُسمع رواياتهم وتقارن وتُوثق.
فالذاكرة ليست مجرد وفاء للماضي، بل مسؤولية تجاه الحقيقة. والضحايا يستحقون أن تحفظ أسماؤهم كما هي، وأن تُروى حكاياتهم كما وقعت، لا كما اختلطت في ذاكرة السنين.
الرحمة للشهداء، والوفاء لكل من حفظ تفاصيل تلك الأيام، والشكر للشاعر جبار الكواز على شهادته التي أسهمت في تصحيح معلومات مهمة، وفتحت باباً جديداً لاستكمال توثيق هذه القضية.

