ملف خاص: جذور الصراع في كردستان.. من الانقسام التاريخي إلى “حرب الأجيال” على السلطة والموارد

لا يمكن فهم التصعيد السياسي الحالي في إقليم كردستان العراق، أو محاولات فرض الأمر الواقع عبر البرلمان، دون الغوص في أعماق الخلاف الجذري بين القوتين التقليديتين الحاكمتين: “حزب الاتحاد الوطني الكردستاني” و”الحزب الديمقراطي الكردستاني”. فإلى جانب التنافس الحاد على السلطة والموارد، يحمل هذا الصراع إرثاً تاريخياً وأيديولوجياً وعائلياً معقداً يعيد إنتاج نفسه عبر العقود.
1. الجذور التاريخية: شرخ الستينيات وتأسيس “الاتحاد” يعود تاريخ الانقسام إلى عام 1964، حين حدث صدع كبير داخل الحركة الكردية، انفصل على إثره إبراهيم أحمد وجلال طالباني عن “الحزب الديمقراطي الكردستاني” الذي كان يقوده الزعيم التاريخي مصطفى بارزاني. ولم تكن الخلافات سياسية فحسب، بل كانت قيادية وأيديولوجية عميقة، توجت لاحقاً بتأسيس “حزب الاتحاد الوطني الكردستاني” رسمياً في عام 1975، ليصبح الحزبان قطبي الرحى في المعادلة السياسية الكردية.
2. الهويتان الجغرافية والأيديولوجية: “السليمانية” في مواجهة “أربيل ودهوك” على مر العقود، بلور كل حزب هوية سياسية واجتماعية مميزة تعكس بيئة انتشاره:
  • الاتحاد الوطني: ارتبط تاريخياً بالتيارات اليسارية والعلمانية، واعتمد على قاعدة شعبية حضرية ومثقفين متمركزين بشكل رئيسي في محافظة السليمانية ومناطق نفوذه.
  • الحزب الديمقراطي: حافظ على نفوذه الأقوى في الأوساط الريفية والمحافظة، ومناطق أربيل ودهوك، معتمداً بشكل كبير على البنى العشائرية والتقليدية والشبكات الاجتماعية المحافظة.
3. الرؤية الاستراتيجية تجاه بغداد: الشراكة مقابل الاستقلالية يمتد الخلاف ليشمل الفلسفة السياسية للتعامل مع الحكومة الاتحادية في بغداد:
  • يميل الاتحاد الوطني تاريخياً نحو تبني نهج أكثر انفتاحاً وتعاوناً مع بغداد، سعياً لضمان الحقوق الكردية ضمن الإطار الدستوري والفيدرالي.
  • في المقابل، يركز الحزب الديمقراطي بشدة على الحفاظ على أقصى درجات الاستقلالية للإقليم، وغالباً ما يتخذ مواقف أكثر تشدداً وحذراً في المفاوضات مع المركز، خشية الذوبان في الهوية العراقية المركزية.
4. صراع الأجيال: من “الرموز التاريخية” إلى “ورثة العروش” يشهد المشهد السياسي حالياً مرحلة انتقالية حرجة، حيث انتقلت مفاتيح السلطة من الجيل المؤسس إلى الجيل الثاني، مما أضفى طابعاً عائلياً على المنافسة:
  • الجيل القديم (الرموز): يمثله الرئيس العراقي الأسبق الراحل جلال طالباني (الذي تحول من معارض إلى مؤسس للاتحاد ورمز وطني)، والزعيم الخالد مصطفى بارزاني، ثم الرئيس الإقليمي السابق مسعود بارزاني.
  • الجيل الجديد (ورثة السلطة): اليوم، باتت دفة القيادة بيد الأبناء والأحفاد. يهيمن بافل طالباني على قيادة “الاتحاد الوطني” ويحاول ترسيخ نفوذه، بينما تمسك عائلة بارزاني بمقاليد “الحزب الديمقراطي” ومؤسسات الإقليم العليا، ممثلة برئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، وابن عمه رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني.
الخلاصة: هذا المزيج المتفجر من التنافس على الموارد، والاختلاف الأيديولوجي والجغرافي، وصراع العائلات الحاكمة على الشرعية والنفوذ، يجعل أي محاولة لفرض حلول أحادية الجانب (كما في الأزمة البرلمانية الحالية) بمثابة إشعال لفتيل صراع قديم. وهو ما يفسر لماذا لا يقتصر الخلاف الحالي على “إجراء برلماني” فحسب، بل هو معركة وجودية حول من يملك الحق في تمثيل “كردستان” والتحكم بمقدراتها في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *