أكره الديمقراطية… لأنها حكم الأغلبية، والأغلبية عندنا مسيّرة.- (فرست عبدالرحمن مصطفى)

أكره الديمقراطية، لا لأنها فكرة سيئة، بل لأنها في بلادي تُشبه المهرجان الذي يحضره الجميع دون أن يعرفوا سبب الحفل.
أكرهها لأنهم جعلوها صندوقاً يفرز لنا الوجوه نفسها، واللافتات نفسها، والوعود نفسها، منذ عشرين عاماً ونحن ننتخب الخراب ذاته بأشكالٍ مختلفة.
يقولون إن الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب… لكن أيّ شعبٍ هذا الذي يبيع صوته بكيس طحين أو ورقة نقدٍ رخيصة؟
أيّ شعبٍ هذا الذي يُصفّق للجلاد لأنه من عشيرته، ويبرر للسرّاق لأنه من مذهبه؟
كيف أؤمن بحكم الأغلبية، والأغلبية تُصفّق للخطأ إذا نطق به شيخٌ أو زعيمٌ أو خطيبٌ يرفع شعار الدين؟
في العراق، تحولت الديمقراطية إلى مزادٍ علني للجهل.
كل دورةٍ انتخابية هي موسم حصادٍ للانتهازيين، وسوقٍ تُعرض فيه الكرامات أرخص من الأسعار.
من لا يعرف القراءة يختار من سيكتب مصيره، ومن لم يقرأ الدستور ينتخب من سيدوس عليه.
كنا نظن أن الديمقراطية ستمنحنا صوتاً، لكنها منحتنا ضجيجاً،
كنا نحلم بحريةٍ تفتح العقول، ففتحوا لنا صناديق مغلقة بالعصبيات والولاءات.
صارت الديمقراطية عندنا غطاءً ناعماً للاستبداد الخفي، وحيلةً لتدوير الفاسدين بموافقة الجماهير نفسها التي تلعنهم بعد التصويت.
ربما لا أكره الديمقراطية ذاتها، بل أكره ما صنعناه منها.
أكرهها حين تُمارسها عقول لم تتعلم بعد كيف تفكر بحرية،
حين تتحول أصوات الناس إلى سلاحٍ ضدهم،
وحين يصبح الجهل هو الأغلبية… والوعي هو الأقلية المنفية في المقاهي ووسائل التواصل.
الديمقراطية في العراق ليست تجربةً فاشلة، بل ضحية مجتمعٍ لم يتعلم بعد أن الحرية لا تُمنح، بل تُستحق.
حتى يتعلم العراقي أن صوته مسؤولية لا صفقة، وحتى يعرف أن التغيير يبدأ من وعي الفرد لا من شعار الحزب،
ستبقى الديمقراطية عندنا مجرد ديكورٍ جميل على جدارٍ متصدع.