النهايات المفتوحة في عالم السينما والدراما! – درباس ابراهيم

في عالم السرد القصصي، لكل قصة نهاية تحدد مصير شخصياتها، سواء كانت سعيدة أم مأساوية. منذ أن ولدت الكلمات لتروي الحكايات، كانت القصص قد وجدت لتكتمل. ففي قصة سيدنا يوسف عليه السلام يكتمل الضوء بلقائه بأبويه بعد رحلة طويلة من الابتلاء، وفي رواية (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي، يجد بطل الرواية راسكولينكوف خلاصه في زنزانة السجن بعد صراع ضميري طويل. النهايات ليست تفاصيل عابرة، بل هي لحظة الحقيقة التي تكمل الحكاية وتمنحها معناها العميق.
إن أكثر ما يزعجني في الأفلام والمسلسلات هو تلك النهايات المفتوحة، التي تفتح من جديد الحكاية بعد أن شارفت على الانتهاء، وكأننا ندخل في متاهة جديدة، ونترك القلوب والأذهان معلقة في فراغ من الأسئلة. تنتهي الأحداث، لكن المعنى يبقى معلقا، والفكرة التي طبخت على نار هادئة اثناء رحلة الفيلم أو المسلسل ربما لن تصل إلى المتلقي، وكأن المخرج اختار الرحيل قبل أن يصل السرد إلى محطته الطبيعية.
بطبيعة الحال، ليس المقصود هنا أن تكون النهاية سعيدة أو حزينة بالضرورة، بل أن تكون واقعية ومتسقة مع الأحداث. المفاجأة مقبولة، بل قد تضيف إثارة ومتعة للمشاهد، لكن يجب أن تبقى ضمن معالم القصة نفسها، دون قلب الحقائق أو تغيير واقع الأحداث. بعض المخرجين يفرطون في النهايات المفتوحة ويبالغون بها لدرجة أن الحكاية تفقد هويتها، ويصبح المشاهد أسيرا لتخمينات لا تنتهي. وبلا شك أن النهايات المفتوحة تصبح أكثر حساسية حين تتناول القصة قضية مجتمعية. فالفيلم أو المسلسل الذي يعالج ظلما اجتماعيا، فسادا، أو أزمة أخلاقية يحتاج إلى أن يقدم للمشاهد نهاية واقعية وذات معنى، تعكس نتيجة هذا الصراع الاجتماعي.
في السينما الهوليوودية، تستخدم النهايات المفتوحة غالبا كوسيلة لإظهار “العمق الفني” أو لإثارة النقاش حول المعنى. مثال على ذلك فيلم ( البداية_Inception) للمخرج كريستوفر نولان، الذي انتهى من دون أن يحسم الفيلم ما إذا كان البطل في حلم أم في واقع. هذا النوع من النهايات يخدم الغموض الفلسفي الذي يقصده المخرج، لكنه في الوقت نفسه يرضي غروره، وكأنه يبرز للنقاد والمشاهدين عضلاته الفنية وخياله الجامح غير المتوقع، أكثر مما يخدم المتفرج العادي الباحث عن خاتمة منطقية. أشعر أحيانا أن هذا الأسلوب هو نوع من الترف الإبداعي الذي لا مبرر له. فالمشاهد الذي يكرس من وقته أكثر من ساعة ونصف، ينتظر جوابا، ينتظر نهاية ترضي فضوله أو على الأقل تبرر رحلته مع الأحداث. لكن ما يحدث هو أن الفيلم يغلق شاشته، ويترك الأسئلة معلقة في ذهن المتفرج.
أما لو ذهبنا إلى  السينما الإيرانية، سنجد أن الأمر مختلف تماما عن هوليوود. فغالبا النهايات المفتوحة هناك ليست ترفا فنيا، بل ضرورة فرضتها الرقابة والقيود السياسية والاجتماعية. فالمخرج الإيراني كثيرا ما يجبر على ترك القصة غامضة كيلا يتهم بمهاجمة سلطة أو نقد قيم دينية أو اجتماعية حساسة.  ففي فيلم (طعم الكرز) ، يترك المخرج عباس كيارستمي المشاهد في مواجهة سؤال الموت والانتحار من دون إجابة صريحة، لأن طرح النهاية بوضوح كان سيعد خرقا أخلاقيا أو دينيا، وقد يعرض صناع العمل لخطر الايقاف والتوقيف، لذلك لم يعرف المشاهد هل البطل انتحر أم تراجع عن هذا الخيار.
بالنسبة لي تبقى الحقيقة واضحة. لكل قصة خاتمة، ولكل رحلة محطة وصول. فالمشاهد ليس كاتبا ينسج النهاية على هواه، بل إنسان يبحث عن اكتمال الحكاية، عن اللحظة التي يلتقي فيها العقل بالوجدان، وتكتمل فيها متعته، ليست في الحيرة بل في رؤية القصة تصل إلى برها الأخير بصدق وواقعية، حتى وإن كانت النهاية صادمة، غامضة، أو غير تقليدية.