حين يحتكرون الوطن … ويطالبوننا بالولاء – بقلم : محمد ديب أحمد

في سوريا المؤقّتة التي طال مؤقّتُها ، لا شيء يبدو أكثر ديمومةً من السلطة المؤقّتة .

فمنذ عامٍ تقريباً ، أُسندت مقاليد القرار لمن ظنّوا أن الثورة تعني الاستبداد بثوبٍ جديد ، وأن الشرعية تُمنح بمبايعة المريدين  ، وأن الديمقراطية لا تحتاج إلى صناديق بل إلى مبايعاتٍ سريعةٍ ومصوّرة .

تلك السلطة التي تتغنّى بالتشاركية لم تُفسح المجال سوى لجوقتها ومطبليها.
برلمانها من لونٍ واحد ، وقراراتها من نغمةٍ واحدة ، حتى أصواتها الإعلامية لا تخرج عن اللحن ذاته :
من لا يشبهنا … لا مكان له بيننا.
أما الشعب ، فخياره محصورٌ بين التصفيق أو الصمت ، وكلاهما في عرفهم علامةُ رضى.

ليست المشكلة في الأشخاص ، بل في العقلية ذاتها التي تتبدّل وجوهها ولا يتغيّر جوهرها.
فالعقل الذي حكمنا بالأمس باسم العروبة ، يحكمنا اليوم باسم الدين ،
وفي الحالتين يرفض الاعتراف بالآخر إلا إذا ذاب في الأنا الكبرى .
الأنا التي تُجرِدوك من كل القِيم والحقوق ،
ذهنية ترى الوطن عقيدةً مغلقة ،
وترى المواطن تابعاً ، وتخاف من التنوّع ، لأنه سيفضح هشاشتها .

الكردُ أيها السادة :
وقفوا دوماً في صفّ هذا الوطن ،
لم يطالبوا بانفصالٍ ولا بامتياز ،
بل باعترافٍ
بلغتهم ،
وثقافتهم ،
وهويتهم ،
ومشاركتهم في القرار الوطني .
لكنّ الاعتراف بالنسبة لهؤلاء ليس مسألة إنصاف ، بل خطرٌ يهدد سلطتهم ،
لأن أول خطوة نحو العدالة هي الاعتراف بالتعدد ،
وأول سقوطٍ لأي استبدادٍ يبدأ بكلمة : نحن

والمفارقة المؤلمة أن كلّ من يرفع شعار الأمة سواء كانت عربية أو إسلامية
ينسى خلافاته حين يتعلّق الأمر بالكرد وحقوقهم  !!!
يمينهم ويسارهم ،
مؤمنهم وملحدهم ،
يجتمعون على قلب رجلٍ واحدٍ حين يكون الهدف إسكات الصوت الكردي ،
وكأنّ العدل ترفٌ لا يستحقه إلا الأغلبية …

أما الإعلام الرسمي وشبه الرسمي ،
فقد تحوّل إلى منبرٍ لتلفيق التهم وتزييف الوعي ،
يستضيف كل أفّاكٍ يبرّر الإقصاء ،
ويُسلّط الضوء على بعض الوجوه الكردية والذين لا يمثلون حتى انفُسهم ، فكيف لهم ان يعبّروا عن شعبٍ قدّم آلاف الشهداء في سبيل العدالة والكرامة والمساواة .

الكرد لم يكونوا يوماً ضدّ الوطن ،
بل كانوا ضميره الحيّ في أحلك مراحله ،
وما زالوا يؤمنون أن سوريا يجب أن تكون لكلّ أبنائها دون استثناء ،
لكنّهم في الوقت نفسه يرفضون أن يكون ثمن المواطنة هو الذوبان في القومية الواحدة أو الفكرة الواحدة .

فمن أراد بناء وطنٍ عادلٍ ، فليبدأ بالاعتراف ،
ومن أراد وحدةً حقيقية ، فليقبل بالتنوّع قبل أن يطالب بالولاء .
ألا يعلم هؤلاء القوم أن الحقوق لا تموت بالصراخ ،
ولا تُنسى بالإنكار ،
ولا تُمحى بقرارٍ أو فتوى .
هي باقيةٌ ما بقي الحقّ والضمير ،
كجبال كردستان التي لا تنحني للعواصف ،
وكصوت الحقيقة الذي مهما حاولوا إسكاتَه ،
يظلّ ينبض في كلّ من حمل همَّ الوطن والإنسان معاً .

بقلم : محمد ديب أحمد