علم النفس العكسی فی الحرب النفسية- د. عبدالباقي مایی

 

هنالك حروب نفسية واضحة المعالم لعامة الناس عندما یبث العدو دعایات كاذبه وتكتب التأريخ بصورة معاكسة و یحث فی تزویر الوثائق و التقارير أو تزییف الحقائق و تلفيق الأكاذيب لإلصاقها بأسماء وألقاب مقدسة لدی أغلبية الشعب وذلك إما بغرض إهانتها أو إسقاطها فی نظر عامة الشعب أو للإیقاع بین الشرائح الإجتماعية المختلفة فی المجتمع لكی تفرق من وحدتهم كما هو معروف فی سياسة بریطانیا العظمی عندما كانت صاحب أكبر أسطول بحري فی العالم وسمیت لذلك “سیدة البحار” عندما نشرت سیاستها الإستعماریة السيئة الصیت “فرق تسد” تلك السیاسة التی لازالت تطغى علی الشعوب المضطهدة فی العالم فتسود وتطبق بصورة دائمة من قبل الدول الإمپریالیة العظمى التی تتخذ من المبادئ الرأسمالية نظاما لإستغلال الدول و الشعوب و إبقائها تحت سيطرتها لخدمة مصالحها، كما هو الحال بالنسبة لكوردستان فی كافة أجزائها والدول التی تحتلها تحت إسم سيادتها الدولية و حماية أمنها القومي، و توجيه تهمة الإرهاب لكل من يطالب بحقوقه.

و من ضمن الحروب النفسية الحديثة التی تشنها تركیا ضد الكورد وكوردستان یأتی علم النفس العكسی ( إذا صحت الترجمة الحرفية لمصطلح  Reversed Psychology من اللغة الإنگلیزیة إلی اللغة العربية). فقد أمست تركيا فی تطبق هذا النوع من الحرب النفسية فی معاملتها مع الإدارة الذاتية فی شمال و شرق سوریا “روژئاڤا” بعد أن وجدت جمیع الأسالیب الأخری فی محاربة هذا النموذج الفتی الذی یستحق لقب “عابر الأزمات”، قد باءت بالفشل الذريع.

و قد یكون هذا النوع من الحرب النفسية  لا يزال فی طور التجربة فی تركيا لكون الحروب النفسية الأخرى التی استعملتها ضد الكورد وكوردستان فی جميع أجزائها عن طريق عملیات غسل الدماغ الكوردی و خلق الأكاذيب وتزییف الحقائق وتكليف بعض من الكورد المتتركین أو الإسلامیین المتطرفین و نشرها بین أبناء الشعب، لا تزال تطبق دون أن تنجح فی تحقيق أهدافها وذلك بسبب تكوین الشخصية السليمة المبنية علی فلسفة “ به‌رخودان ژیانه‌ = المقاومة هی الحياة “ و “ژن – ژیان – ئازادی = المرأة – الحياة – الحریة” وتطبيقها فی تربية الطفل والشباب بصورة منظمة بالتساوي بین الأنثى والذكر لكی تتكون لدی الفرد الشخصیة السلیمة التی حولت نضالها فی الآونة الأخيرة من الكفاح المسلح إلی المقاومة السلمية التی أثبتت نجاحها فی عرقلة العمليات العسكریة التركية الكلاسیكیة الهدامة، و قللت من تهدیداتها علی روژئاڤا.

هذه التربية المنظمة لتكوین الشخصية السليمة للفرد فی روژئاڤا ولد جیلا من الشابات والشباب اللذين یتمتعون بروح مخلصة للشعب والوطن و بمعنویات عالية فی الشعور بالمسۆلیة فی خدمة المجتمع التعددي للعيش فی حریة وسلام فی بناء المجتمع الدیموقراطی الذی یعیش بإكتفاء ذاتی فی كافة أموره الإقتصادیة والنفسیإجتماعية والمدنية. فخلقت هذه الشخصیة الدینامیكیة المبدعة لطرق السلام والتعایش فی مجتمع تعددی تكون للمراة دورها المميز فی جميع مفاصله و مسۆولیاته. الأمر اللذی أدی بالنظام  التركي إلی تغییر أساليبه من عملیات غسل الدماغ التی أثبتت فشلها فی شمال وغرب كوردستان بعد مرحلة من تقدم مۆقت فی جنوب كوردستان. وما نلاحظه من محاولات التحايل علی عملية السلام بتمديد وعودها فی إجراء التعدیلات فی الدستور وتماطلها فی إصدار القوانين الضروریة للتعامل بصورة صحیحة مع المبادرة السلمية فی تحويل الكفاح المسلح للحركة التحررية الكوردیة إلی مقاومة سلمية. وقد باتت هذه المحاولات للالتفاف حول عملية السلام وذلك بالتقليل من قيمتها و العمل علی إهانتها وتحويرها من مسارها الشمولي الدیموقراطی لحل القضية الكوردیة إلی زيارات شخصية و إجتماعات محلية لا تخرج من أسلوبها الكلاسیكی اللذی لا یزال يستعمل مصطلح “الإرهاب” بدلا من عملية السلام. ولكن الدعم الجماهیری لعملية السلام فی كافة أجزاء كوردستان كفيل برفع الستار عن هذه العمليات النفسية المعاكسة أیضا كما نجحت فی تجاوز غيرها، وذلك بالعمل علی توحيد القوی فی كوردستان للمشاركة الفعالة فی حماية وحدة الشعب و الوطن بالإستفادة  من تصادم الفلسفتين الرأسمالية المولدة للفساد من جهة و فلسفة المقاومة السلمية فی الشخصية السليمة من جهة أخری.