٣ – الكُرد … جيلٌ يكسر القوالب القديمة  – بقلم : محمد ديب أحمد

ثمة جيلٌ كردي جديد يصعد اليوم ، لا ليواصل الطريق كما رُسم له سابقًا ، بل ليعيد رسمه بالكامل .
جيلٌ لم يعد يقبل دور المتفرّج في معادلات المنطقة ، ولا يقبل أن يُعامل الكرد كـ ملف ثانوي يُفتح ويُغلق حسب مصالح الآخرين .
هذا الجيل خرج من رماد التجارب القاسية ، لكنه خرج أكثر وعيًا وصلابة ، بعدما اكتشف أن انتظار التفاهمات الدولية والنوايا الحسنة لا يصنع حقًا ولا يبني وطنًا .
لقد أدرك أن القضية الكردية مشروع سياسي مؤجل بقوة الآخرين ، لكنه لن يبقى مؤجلًا بقوة صمتنا .
فالشباب اليوم يدركون أنّ الشرق الأوسط يعاد تشكيله على الطاولة ، وأن من لا يجلس على الكرسي سيُوضع فوق الخريطة كورقة .
ولذلك تحوّل وعي الجيل الجديد من سؤال :
من سيمنحنا حقوقنا ؟
إلى سؤال أكثر واقعية وصلابة :
ما هي أدوات القوة التي نملكها لنفرض حقوقنا ؟
وهو سؤال ينقل الكرد من موقع الانتظار إلى موقع الفعل .
الشباب اليوم يعرفون أن كردستان ليست أرضًا بانتظار اعتراف ، بل قضية تتطلب ميزان قوة ، وإستراتيجية ثابتة ، ومشروعًا لا يعتمد على الخارج إلا بقدر ما يخدم الداخل .
ويعرفون أيضًا أن الاتفاقيات الدولية لم تكن يومًا منحازة للمظلومين ، وأن لغة السياسة تُكتب بمنطق المصلحة لا بمنطق العدالة .
ولهذا لم يعد الجيل يقبل أن تُستخدم القضية الكردية كورقة في المساومات الإقليمية .
إنه جيل يسأل ،
يحاسب ، ويكشف ، ولا يمنح صكوك الثقة لأحد دون رؤية نتائج ملموسة .
لقد فهم هذا الجيل أن الحدود التي وُضعت قبل مئة عام ، والتي شتّتت الجغرافيا الكردية ، ليست قدرًا أبديًا .
فالعالم كله يتغير ، والخرائط تُعاد صياغتها ، ومن حق الكرد أن يكونوا طرفًا في هذا التغيير لا ضحية جديدة له .
  الخطابات الإنشائية ،
 والشعارات لا تؤثر  في هذا الجيل
إنه جيل يفهم لغة العصر :
لغة القوة ،
الشرعية الشعبية ،
المؤسسات ،
والتحالفات الدقيقة .
جيل يقول بوضوح :
لا نريد اعترافًا مجانيًا …
نريد اعترافًا نصنعه نحن بقوتنا ،
بوحدتنا ،
وبقدرتنا على أن نكون لاعبًا لا تابعًا .
وهذا الوعي الجديد هو ما يخيف خصوم القضية الكردية ، ويقلق حتى بعض من اعتادوا إدارة المشهد من أعلى ، لأنهم يجدون أنفسهم أمام جمهور لم يعد قابلاً للتلقين ولا قابلًا للشراء .
إنه جيل لم يولد من فراغ ، بل من تاريخ مليء بالتضحيات ، ومن تجربة سياسية طويلة أثبتت أن الحقوق لا تُنتزع بانتظار رحمة الآخرين ،
بل بفرض حضورٍ يليق بشعبٍ قدّم الكثير ولم يحصل على ما يستحق .
جيلٌ يكسر القوالب …
ليقيم في الفراغ الذي يتركه سقوطها مستقبلًا جديدًا ، بملامح كردستانية واضحة ، لا تستجدي الاعتراف ،
بل تفرضه .
بقلم : محمد ديب أحمد