في دمشق وبعض المدن الخاضعة لسلطة الجولاني ، خرجت مظاهرات لم تشبه ثورة، ولا حتى احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية ، لم تطالب بحقوق الناس أو أمنهم أو خبزهم اليومي .
ما حدث كان أقرب إلى تجييشٍ مُعدّ مسبقاً ، تقوده مجموعات تُحرّكها لغة التحريض أكثر مما تحركها حاجة الناس الحقيقية .
فجأة ظهر المشهد الغريب : هتافات مُلقّنة ،
وأيدٍ ترفع صندوق بويا وكأنه شعار سياسي عظيم . وللمفارقة بدا هذا الصندوق في ذروة العبث ، الإنجاز الوحيد الذي استطاعت مصانع الفكر التي تدير هذا المشروع إنتاجه …
لم يهتف هؤلاء للكرامة ،
ولا للحرية ،
ولا لمستقبل أطفالهم .
بل خرجوا ليهتفوا ضد شعب أصيل كالشعب الكردي ؛
شعب لم يعتدِ على أحد ، ولم يبدّل ولاءه وفق الرياح ، ودفع أثماناً باهظة في الوقت الذي كان كثيرون يبدّلون مواقفهم ومواقعهم كل يوم .
والذين رفعوا صندوق البويا لم يدركوا أنهم لم يسيئوا إلى الكرد ، بل كشفوا اللحظة التي تسقط فيها آخر الأقنعة التي يحاول الجولاني ومريديه تغطية مشروعهم بها .
أي حركة تدّعي الثورة وهي ترفع شعاراً عنصرياً ؟
وأي مشروع سياسي ينحدر إلى مستوى أدوات التحقير الرخيصة ؟
إنه مشروع هشّ ، فارغ من الرؤية ، يقوم على الضجيج لا على الفكرة ، وعلى الشتم لا على السياسة .
الكرد لم ينالوا قيمتهم من رأي الجولاني ولا من صراخ الشارع المُسيَّر .
هذا شعب يعرف تاريخه جيداً ، ويعرف أنّ قرناً من النضال لا يجرحه صندوق بويا ولا يهزه هتاف مأجور .
والأخطر أنّ المستهدف الحقيقي لم يكن الكرد بقدر ما كانت تُستهدف فكرة سوريا الجامعة نفسها . فإحياء خطاب عنصري على هذا النحو يُعيد البلاد إلى مربعات قديمة من الانقسام والاقتتال ، ويحوّلها إلى ساحة صراع قبلي وطائفي .
والخُلاصة : من يربّي جمهوره على الكراهية لن يحصد إلا الخراب .
ومن يبني شرعيته على الشتيمة يسقط عند أول امتحان وطني .
أما من يظن أن إهانة شعب كامل يمكن أن تُبنى على صندوق بويا ، فقد أعلن إفلاسه الأخلاقي قبل السياسي .
وفي النهاية ، الصورة واضحة بلا شرح :
لقد رفعوا صندوق البويا …
لكن الذي سقط فعلاً كان مشروعهم وقيمتهم وكل ما ادّعوه من ثورية .

