بين التفاهمات المعلنة وغرف الظل : سياسة ما لم يُكتب بعد – بقلم : محمد ديب أحمد

في الأدبيات السياسية ، تُصنَّف البيانات إلى نوعين :
بيانات تُكتب لتُنفَّذ ،
وأخرى تُكتب لشراء الوقت .
وما صرّح به القائد العام لقوات سوريا الديمقراطيةالسيد مظلوم عبدي حول ما وُصف بـالخطوط العريضة لمسودة تفاهمات مع السلطات السورية المؤقتة يقع  حتى لحظة كتابة هذه السطور  في المنطقة الرمادية بين هذين الصنفين .
البيانات كما يعرف من تمرّس في دهاليز السياسة لا تُقاس فقط بما تقوله ، بل بما تتجنّب قوله وبما تؤجّله عمداً ، وبما تتركه خارج النص .
حتى الآن ، لا يوجد بيان رسمي موثّق من الطرفين ولا جدول زمني ،
ولا ضمانات تنفيذ واضحة ، ما يجعل المطروح أقرب إلى إطار نوايا سياسية منه إلى اتفاق مُلزِم .
 ومع ذلك ، فإن السياسة لا تنتظر التواقيع كي تبدأ الحساب ، ولا تؤجّل القراءة إلى حين اكتمال النصة.
أولاً : دمج القوى العسكرية
اتفاق على المبدأ … صراع على المعنى
الحديث عن دمج القوى العسكرية بما يخدم المصلحة العامة هو أكثر البنود مرونة ، وربما أخطرها .
فالدمج في القاموس السياسي السوري ، نادراً ما كان شراكة حقيقية ، وغالباً ما انتهى إلى إذابة طرف داخل آخر لا إلى إعادة هيكلة وطنية متوازنة .
السؤال الحقيقي ليس :
 هل سيتم الدمج ؟
بل :
دمج وفق أي عقيدة عسكرية ؟
وتحت أي قيادة ؟
وبأي ضمانات دستورية ؟
من دون إجابات واضحة يبقى هذا البند معلقاً بين خيارين :
إما خطوة باتجاه جيش وطني تعددي ،
أو إعادة إنتاج مركزية عسكرية بثوب جديد ،
وهي تجربة خبرها السوريون طويلاً وكانت نتائجها معروفة سلفاً .
ثانياً : الدستور المؤجَّل
لعبة الوقت المجرَّبة
القول إن القضايا الدستورية تحتاج إلى وقت جملة سليمة لغوياً ، لكنها سياسياً مطّاطة إلى حدّ الخطورة . الوقت في التجربة السورية لم يكن يوماً عاملاً محايداً ، بل أداة بيد الطرف الأقوى لفرض وقائع جديدة على الأرض بانتظار اللحظة المناسبة .
أي حديث عن دستور بلا سقف زمني واضح ، ولا ضمانات داخلية أو دولية ، غالباً ما ينتهي بدستور يُكتب في غرف مغلقة ثم يُقدَّم للسوريين بوصفه الحل الممكن لا الحل العادل .
ثالثاً : اللامركزية
الكلمة التي تُخيف أكثر مما تُقال
القول بأن الحل في سوريا يجب أن يكون لامركزياً هو جوهر المسألة ، وهو في الوقت ذاته خط التماس الحقيقي مع السلطات المؤقتة ومع القوى الإقليمية المتدخلة في الشأن السوري .
اللامركزية هنا ليست مصطلحاً إدارياً ،  بل مشروع سياسي يعيد تعريف الدولة ،
والسلطة ،
والعلاقة بين المركز والأطراف .
 وهذا تحديداً ما لا تريده أنقرة التي تنظر إلى أي نموذج ديمقراطي كردي في شمال وشرق سوريا بوصفه عدوى سياسية ، لا تجربة قابلة للنقاش .
وهنا يصبح السؤال مشروعاً :
هل تقبل سلطة مؤقتة مرتهنة لقرار إقليمي بنموذج لا مركزي حقيقي ؟
أم أننا أمام لامركزية مُفرَّغة ، تُختزل في صلاحيات بلدية موسّعة لا أكثر ؟
رابعاً : المعابر والثروات
الشيطان يكمن في التفاصيل
الحديث عن رؤية مشتركة لإدارة المعابر والحدود ، وأن الثروات الباطنية «ملك لكل السوريين» ، يبدو خطاباً وطنياً جامعاً .
لكن التجربة السورية علّمتنا أن العموميات الاقتصادية غالباً ما استُخدمت لتبرير مركزية القرار المالي ، لا توزيعه بعدالة .
والثروات لا تكون لكل السوريين إلا عندما تُدار بشفافية ،
وتُوزّع وفق معايير واضحة ، وتخضع لرقابة دستورية حقيقية .
 أما دون ذلك فهي تتحول إلى ورقة ضغط بيد السلطة الأقوى ، تُلوّح بها متى شاءت وتسحبها متى شاءت .
خامساً : أن يدير أبناء المنطقة مناطقهم
جملة بسيطة … بثمن سياسي مرتفع
رغم بساطتها الظاهرية ، تبقى هذه العبارة الأكثر حساسية .
فإدارة أبناء المنطقة لمناطقهم ليست مطلباً إدارياً ، بل اعتراف سياسي بالشراكة ،
 ورفضاً لوصاية المركز ، وقطعاً مع عقلية نحن نعرف مصلحتكم أكثر منكم .
وهي تحديداً الجملة التي تثقل على آذان سلطات لم تتصالح بعد مع فكرة التعدد ولا مع واقع أن سوريا ليست نسخة واحدة مكرّرة .
خاتمة :
بين النصوص المنمّقة والنيات المؤجَّلة
لو طُبّقت هذه النقاط بحسن نية ، وبضمانات واضحة ، لكانت مدخلاً لتسوية تستحق التصفيق .
لكن السياسة لا تُدار بحسن النوايا ، ولا بالمسودات غير الموقّعة ،
 ولا بالتصريحات التي يطمئن ظاهرها فيما يشي باطنها بعكس ذلك .
الحذر هنا ليس تشاؤماً بل ذاكرة سياسية .
 وعدم الثقة بالسلطات المؤقتة لا ينبع من موقف أيديولوجية، بل من واقع ارتهانها لإرادات إقليمية ، في مقدمتها تركيا ، التي ما تزال ترى في الكرد مشكلة يجب ضبطها ، لا شريكاً يجب الاعتراف به .
أما شركاء الوطن الذين لم نسمع منهم حتى الآن ما يطمئن القلب ، فلا يزال إعلامهم ، بكل محلّليه وخبرائه وكل مطبليه ، يشيطن قوات سوريا الديمقراطية ، ويحمّلها وزر كل ما لم يفعلوه هم ، وكأن المشكلة في من دافع لا في من دمّر ، وكأن الوطنية تُقاس بحدة الخطاب لا بصدق الموقف .
وبين ما يُقال على المنصّات وما يُتفق عليه في غرف الظل ، مسافة يعرفها السوريون جيداً .
ويبقى السؤال مفتوحاً :
هل نحن أمام بداية مسار سياسي جديد ؟
أم أمام إعادة تدوير الأزمة بلغة أكثر نعومة ؟
الأيام وحدها ستجيب …
أما واجبنا كسوريين ،
أن نقرأ ونحلل ونشكّك حين يجب ، وأن لا نُصفّق لنصوص لم يُكتب أهمّ ما فيها بعد .
بقلم : محمد ديب أحمد

One Comment on “بين التفاهمات المعلنة وغرف الظل : سياسة ما لم يُكتب بعد – بقلم : محمد ديب أحمد”

  1. الكورد عبر تأريخهم الدامي والمجيد كانوا ضحايا مؤامرات ودسائس مصالح دوليه واقليميه وصراعات وخلافات وخيانات داخليه تحية للكاتب

Comments are closed.