مقدمة: مقابلة تلميع أم إعلان حرب سياسية؟
مقابلة أحمد الشرع (الجولاني) مع قناة “شمس” الكردية — التي رفضت بثها رسميًّا تحت ضغط شعبي — ليست مجرد حوار إعلامي، بل وثيقة استراتيجية تكشف عن خطة الجولاني الكاملة لتصفية الوجود الكردي السياسي والعسكري في سوريا، تحت غطاء “الوحدة الوطنية” و”الاندماج”.
لكن التحليل الدقيق للنص يظهر أن كل جملة فيها تحمل رسالة مزدوجة:
- ظاهريًّا: دعوة إلى الحوار، احترام الحقوق، ووحدة الدولة.
- فعليًّا: إنكار للهوية الكردية، تشويه لـ”قسد”، ومحاولة لشق الصف الكردي عبر استغلال العلاقة بين مظلوم عبدي ومسعود البارزاني.
أولًا: نفي وجود “قسد” كممثل شرعي للكورد
يبدأ الجولاني بخطوة نفسية ذكية: فصل “المكون الكردي” عن “تنظيم قسد“، قائلاً:
“تنظيم قسد لا يمثل الكرد… الكرد شاركوا في الثورة السورية، وليسوا منتمين لهذا التنظيم“.
هذه العبارة ليست بريئة. فهي:
- تنفي الشرعية السياسية لـ”قسد”، رغم أنها القوة العسكرية الوحيدة التي دافعت عن الكرد طوال 14 عامًا.
- تستغل الانقسامات الداخلية (الحقيقية أو المفتعلة) لخلق “كورد الجولاني”: عملاء يقبلون بالاندماج دون حقوق جماعية.
- تُقلّل من مشروع الإدارة الذاتية باعتباره “انفصالًا” لا يعكس إرادة الشعب.
لكن الواقع يقول غير ذلك:
- أغلبية الكرد و حتى باقي المكونات في شمال شرق سوريا يدعمون “قسد“، سواء عسكريًّا أو سياسيًّا.
- الإدارة الذاتية هي الإطار الوحيد الذي منح المرأة الكردية حقوقها، وحمى الأقليات، وقاوم داعش.
ثانيًا: اتهام “قسد” بالعمالة لـ”قنديل” — سلاح نفسي قديم
يكرر الجولاني الاتهام الكلاسيكي التركي:
“قسد تتلقى أوامر من جبال قنديل… وأناس معزولون عن الحياة منذ 40–50 عامًا“.
هذا الخطاب:
- يُحيي شبح “العمالة الخارجية“، وهو أسلوب استخدمه النظام السابق لتشويه كل معارض.
- يتجاهل أن “قسد” ولدت محليًّا، وقاتلت داعش بدعم أمريكي، لا بأوامر من عبد الله أوجلان.
- يهدف إلى عزل “قسد” دوليًّا، خصوصًا أمام واشنطن التي ترفض أي علاقة مع PKK.
لكن الأهم: هذا الاتهام يأتي بعد تقارب علني بين مظلوم عبدي و الرئيس مسعود البارزاني — الذي يُنظر إليه كـ”وسيط مقبول” لدى الغرب.
فهل يحاول الجولاني زرع الشك في علاقة البارزاني بعبدي؟
بالتأكيد. فهو يلمّح إلى أن البارزاني “رجل تنموي”، لكن تجربته لا تنطبق على سوريا — أي: لا تثق به، فهو لا يفهم واقعنا.
ثالثًا: “الحقوق الكردية محفوظة”… كذبة تُفنّدها جثث الشيخ مقصود
يقول الجولاني:
“إذا كنت تقاتل من أجل حقوق الكرد، فلا حاجة لدمٍ… فالحقوق محفوظة في الدستور“.
لكن هذا الزعم يسقط أمام الحقائق:
- لا دستور جديد حتى الآن. الجولاني يتحدث عن دشتور غير موجود و لم يتم سنة بعد.
- لا اعتراف باللامركزية أو الفدرالية.
- نساء وأطفال قُتلوا في حلب، وجثث مقاتلات أُحرقت.
- 800 عائلة إيزدية أُجبرت على العودة إلى عفرين — منطقة تحت سيطرة جماعات معادية .
الرسالة الضمنية: “ادخل في صفوفنا، وستحصل على منصب… لكن لا تطالب بحق جماعي“.
وهذا هو نفس نموذج صدام حسين: نائب رئيس كردي بلا صلاحيات، بينما الأنفال تُرتكب.
رابعًا: “الاقتصاد أولًا”… ذريعة للاستيلاء على حلب
يكشف الجولاني بصراحة أن “حلب تمثل 50% من الاقتصاد السوري“، وأن “وجود قسد في الشيخ مقصود يهدد الاستقرار الاقتصادي“.
وهنا تظهر النية الحقيقية:
- الشيخ مقصود ليس “حيًّا كرديًّا”، بل “عقبة اقتصادية“ يجب إزالتها.
- الهدف ليس “الاندماج”، بل السيطرة على الممرات التجارية والصناعات.
- الحرب في حلب كانت مخططة مسبقًا، كما يُفهم من قوله:
“في أول لحظات التحرير، هاجم قسد قواتنا!”
— رغم أن “الآسايش” لم تتجاوز 300 مقاتل، مقابل 40 ألف من قواته. فهو يدعي أن قسد هي التي هاجمت الاحياء الاخرى.
خامسًا: محاولة شق العلاقة بين عبدي والبارزاني
في وقتٍ يشهد تقاربًا استراتيجيًّا بين مظلوم عبدي و الرئيس مسعود البارزاني — خاصةً في الفترة الاخيرة — يأتي خطاب الجولاني ليزرع الفتنة:
- يمدح البارزاني كـ”رجل تنموي”، لكنه ينفي إمكانية تطبيق تجربته في سوريا. و كـأن البارزاني السياسي المخضرم لا يفهم قصد الجولاني من قولة بأن البارزاني لا يفهم سوريا.
- يصور عبدي كـ”أسير قنديل”، لا كشريك وطني. و هذا أتهام لعبدي بالخيانة و في نفس الوقت يريد الاتفاق مع عبدي.
- يعرض “مناصب” للكرد — لكن فقط لمن يتخلى عن “قسد” و لا يعرف حتى اللغة الكوردية كوزير التربية.
الهدف واضح: دفع البارزاني إلى التخلي عن عبدي، والتحول إلى “وسيط” لتمرير شروط الجولاني.
سادسًا: “الوحدة السورية”… غطاء لمشروع طائفي-جهادي
يتحدث الجولاني عن “سوريا الموحدة”، لكنه يرفض:
- المحاصصة (أي الحقوق الجماعية).
- الإدارة الذاتية (رغم أنها تضم عربًا ومسيحيين).
- الاعتراف بالخصوصية الثقافية.
لماذا؟ لأن مشروعه لا يقبل بالتعدد.
فهو زعيم سابق لـ”جبهة النصرة”، وقواته مليئة بعناصر داعش والجهاديين.
و”الوحدة” في قاموسه تعني: “الخضوع لسلطتنا، أو القضاء عليكم“.
الخلاصة: خطاب التلميع يسبق السكين و الحرب الشاملة
مقابلة الجولاني ليست دعوة للسلام، بل إعلان حرب سياسية:
- الهدف الأول: تفكيك “قسد” عبر التشويه والتقسيم.
- الهدف الثاني: السيطرة على الاقتصاد السوري عبر تصفية الكرد من حلب و باقي المناطق.
- الهدف الثالث: استغلال الانقسامات الكردية لخلق “عملاء” يشرعنون سياساته.
أما الكرد، فعليهم أن يدركوا أن الجولاني لا يريد شريكًا، بل خادمًا و عملاء.
وأن الثقة بأي “وعد” منه — بعد جثث الشيخ مقصود و بعد هذا اللقاء— هي انتحار سياسي.
الدرس واضح: من يثق بالجولاني، يُصبح مثل نائب صدام الكردي — طه محي الدين معروف اسمه في الدستور، ودم شعبه في الخنادق.

