العالم في ظل ترامب- ناظم أمين

 

لم تشهد الولايات المتحدة الاميركية في تاريخها رئيسا مثل دونالد ترامب. حير علماء النفس بتصرفاته, وصفوه بالنرجسية تارة , وغريب الاطوار تارة اخرى. يبدو أنه لايستمع الا لنفسه, ومصاب بداء العظمة ويرى نفسه امبراطورا على العالم . تصريحاته متناقضة  في كثير من الاحيان. يقول شيئا ويفعل عكسه.

في ولايته الاولى كان له مستشارين, يستمع اليهم ويناقشهم قبل ان يتخذ اي قرار على المستويين الداخلي والخارجي, لانه كان ومازال يفتقر الى الحنكة السياسية . لكنه تغير كثيرا منذ اليوم الاول لولايته الثانية وبدأ يقنع نفسه بانه لايحتاج الى مستشارين بل حاشية تطبل وتصفق له وتتفق مع كل مايقوله ويفعله., لانه في الحقيقة لايتحمل رايا مخالفا. وزير خارجيته مارك روبيوو وكذلك وزير حربه, اضافة لنائبه, يتصرفون كالببغاوات ويرددون مايقوله حتى وان كانت غير منطقية أو غير معقولة. كل ذلك لارضاء الرئيس وعدم تعكير مزاجه, والا فان الطرد سيكون مصيرهم. لايحترم الصحفيين ويوجه الاهانات لهم اذا طرحوا عليه سؤالا لايعجبه أو يستفزه. تعامل هو وفريقه باستهزاء صارخ مع زيلينسكي عندما زار البيت الابيض لمناقشة الحرب الروسية الاوكرانية مما شكل صدمة كبيرة لزيلنيسكي.

صحيح ان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان دكتاتورا وأكتظت سجونه بالالاف من معارضيه, لكن لايحق لترامب ان يتدخل عسكريا في هذه البلاد ويعتقل رئيسها ويجلبه الى اميركا بغية محاكمته بتهمة الاتجار بالمخدرات ويتصرف بالنفط الفنزويلي كما يشاء, لان هكذا تصرفات تفتح شهية بعض الدول مثل روسيا لاحتلال كامل لاوكرانيا ومن ثم ضمها اليها, بل وتشجع الصين للسيطرة على تايوان, كذلك  تشجع الدول لاحتلال بعضها البعض بحجج واهية خلافا للاعراف والقوانين الدولية, مامعناه اقرار قانون الغاب, حيث القوي يأكل الضعيف.

من بين الازمات الاخيرة التي افتعلها الرئيس الاميركي, هو مطالبته بجزيرة كرينلاند التابعة للدنيمارك والتي تتمتع بحكم ذاتي بحجة الدفاع عن الامن القومي الاميركي أمام الأخطار الصينية والروسية. يريدها أما بالتفاوض أومقابل المال أو احتلالها بالقوة العسكرية, متجاهلا رفض أبناء الجزيرة لهذه الفكرة, وما ستنتج عنها من تأثيرات سلبية على علاقات الدول الاوروبية مع أميركا, بل وانهاء حلف الناتو الذي هو جزء منها, كما صرحت به رئيسة وزراء الدنيمارك وبعض القادة الاوروبيين.

ترامب يرغب في أوروبا ضعيفة, تخضع لسياساته وتقول له سمعا وطاعة . كما يحاول أن يوحي لها وللعالم أجمع بأنه ربهم الأعلى, يجب اطاعته شاؤوا أم أبوا. لكن الدول الاوروبة بدأت تشعر بالمخاوف من سياساته, وهاهي اليوم تبدو أكثر اتحادا بمواقفها القوية والواضحة بوجه سياساته, وهذا يعني ان أوروبا لم تعد تنظر الى أميركا كحليف بعد اليوم.

صحيح ان المطامع الاميركية في جزيرة كرينلاند ليست جديدة العهد. أميركا  طرحت فكرة شراء أو ضم كرينلاند أكثر من مرة عبر التاريخ. بدأت عام1867 حين فكر وزير خارجييتها وليام سيوارد أنذاك شراء الجزيرة من الدنيمارك. وفي عام 1946 عرض هاري ترومان رئيس الولايات المتحدة على الدنيمارك شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار بالذهب, لكن الدنيمارك رفضت الفكرة وسمحت بتوسيع الوجود العسكري هناك. وبدلا من شراء الجزيرة, وقعت أميركا اتفاقا مع الدنيمارك عام 1951للسماح للقوات الاميركية ببناء قواعد عسكرية مثل قاعدة ثول. وها هو ترامب اليوم يطرح مرة أخرى فكرة ضم الجزيرة, ولكن بالتهديد والوعيد, ضاربا عرض الحائط كل الاعراف الدبلوماسية والمعاهدات والقوانين الدولية.

تهديد ترامب بضم جزيرة كرينلاند أثار أيضا مخاوف السويد من أن يفكر  بالاستحواذ على مناجم المعادن النادرة في اقليم لابلاند السويدي.

ترامب وفي اخر تغريدة له أعلن عن قرار ابتزازي بفرض رسوم كمركية بنسبة 10% على الدنيمارك والسويد والنرويج وفرنسا والمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا بدءا من أول شباط  بسبب موضوع كرينلاند , وأوضح بان الرسوم الكمركية ستستمر الى أن يتم التوصل الى اتفاق بشأن شراء أميركا لكرينلاند, وأضاف بأن الرسوم الكمركية سترتفع الى 25% أعتبارا من أول شهر حزيران.

لأشك ان العالم يعيش اليوم حالة من القلق  وعدم االاستقرارعلى الصعيدين الاقتصادي والسياسي بل والامني, لانه من الصعب التنبوء بما سيقدم عليه ترامب غدا او بعد غد أو بعد ساعات, فالعالم لايعرف الى اين يتجه في ظل سياسات ترامب.