الايزدياتي قبل الحياة…حين يصبح الدين قدرا لا خيارا- خيري ابراهيم كورو 

في النصوص الدينية الايزيدية المقدسة تظهر المعاني الكبرى غالبا في عبارات قصيرة ومكثفة. فهي لا تقدم نصوص طويلة او مفاهيم معقدة، بل تضع امام الشخص الايزيدي جملة واضحة تختصر موقفا كاملا من الحياة والدين. ولهذا تبدو هذه النصوص احيانا بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها رؤية كاملة للعلاقة بين الانسان ودينه.
وعندما نتأمل بعض هذه النصوص (السبقات) نجد انها لا تتحدث فقط عن دين، بل عن موقف وجودي، ماذا يعني ان يكون الانسان ايزيديا؟ وهل الايزدياتي مجرد انتماء يولد معه الانسان، ام عقيدة يثبت عليها مهما كانت النتائج؟
 هذه الاسئلة تظهر بوضوح في عدد من النصوص المقدسة التي تختصر فكرة اساسية مفادها ان الايزدياتي ليست مجرد خيار عابر، بل قدر روحي يسبق الحياة نفسها.
يقول النص المقدس بالكوردية:
ئەز ژ وان بم یێ عەربا کوشتى
سەر ژێکری و لەش ل چۆلا هشتی
ئەز نە ژ وان بم یێ دلێ تەریقەتا خوە ژ خوە هشتی
الترجمة العربية:
لأكن من اولئك الذين قتلهم العرب
قطعوا راسه وتركوا جسده في البراري
ولا أكن من اولئك الذين تركوا دينه
هذا النص يضع المفاضلة في صورتها الصريحة: يمكن ان يفقد الانسان حياته، ويمكن ان يسقط جسده في البرية، لكن الاهم من ذلك كله هو ان لا يترك دينه. الفكرة هنا ليست تمجيد الموت بقدر ما هي تأكيد على قيمة الثبات على الدين. فالنص يميز بين خسارة الجسد وخسارة الطريق الديني، ويعتبر ان الثانية هي الخسارة الحقيقية. ومن خلال هذه المقارنة يوضح النص ان الايمان في الديانة الايزيدية ليس مجرد اعتقاد داخلي، بل موقف واضح يحدد علاقة الانسان بدينه حتى في اقسى الظروف.
ثم يأتي نص اخر ليضيف بعدا مختلفا، لا يتعلق بالتضحية فقط، بل بطريقة العيش نفسها. فالايمان لا يكتمل بمجرد التمسك بالدين، بل يحتاج ايضا الى صدق واستقامة في القول والعمل.
يقول النص المقدس بالكوردية:
رما راستیێ بگرە و پێشخوەڤە پاڤێژ
پشت خوڤە نە نێرە و هەرە پێش
هەکە توو ماش خوەری راست پاژۆ و راستی بێژ
الترجمة العربية:
امسك برمح الحقيقة وارمه الى الامام
لا تلتفت الى الخلف وتقدم الى الامام
اذا كنت مؤمنا فكن مستقيما وصادقا
في هذا النص تظهر قيمة الحقيقة بوصفها جزءا من شخصية المؤمن. فالايمان لا يعني الانتماء فقط، بل يعني ايضا ان يكون الانسان صادقا ومستقيما في سلوكه. ولهذا يدعو النص الى التقدم وعدم الالتفات الى الخلف، وكأنه يذكر المؤمن ان طريق الحق يحتاج الى وضوح وثبات، لا الى تردد او تراجع.
اما النص الثالث فيتجه مباشرة الى تعريف معنى الايزدياتي نفسها، بعيدا عن المظاهر والادعاءات.
يقول النص المقدس بالكوردية:
ئێزدیاتی مە یا خویایە
نەیە ب جلایا نەیە ب خەونایە
ب قەلما گرتی ب ئەرکانایە
الترجمة العربية:
ديننا واضح وصريح
ليس بالمظاهر ولا بالاحلام
بل بالالتزام واتباع التعاليم
هذا النص يقدم تعريفا مباشرا للايزدياتي. فهي ليست مظهرا خارجيا ولا فكرة مجردة، بل التزام عملي بتعاليم الديانة الايزيدية. فالايمان هنا لا يقاس بالكلمات ولا بالادعاء، بل بمدى التزام الانسان بالطريق الذي رسمته التعاليم الدينية.
وعندما ننظر الى هذه النصوص الثلاثة معا نلاحظ انها ترسم صورة متكاملة لمعنى الايزدياتي. فالنص الاول يؤكد الثبات على الدين حتى في اصعب الظروف، والنص الثاني يدعو الى الصدق والاستقامة في السلوك، والنص الثالث يوضح ان الايزدياتي تقوم اساسا على الالتزام الحقيقي بالتعاليم. وهكذا يتضح ان الطريق الايزيدي ليس مجرد هوية اجتماعية، بل منظومة قيم تقوم على الثبات والحقيقة والالتزام.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل يكون الانسان ايزيديا فقط لأنه ولد في عائلة ايزيدية، ام لأنه اختار ان يبقى وفيا لهذا الطريق؟ النصوص المقدسة تبدو واضحة في جوابها. فهي لا تتحدث عن الانتماء بوصفه اسما، بل عن الايمان بوصفه موقفا. ومن هنا ربما يمكن فهم العبارة التي تختصر روح هذه النصوص، الايزدياتي قبل الحياة… حين يصبح الدين قدرا لا خيارا. فحين يصل الانسان الى هذه القناعة، لا يعود الدين مجرد انتماء، بل طريقا يحدد معنى الحياة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *