أنقرة – تصاعدت أزمة حزب “الشعب الجمهوري”، أكبر أحزاب المعارضة التركية، في أعقاب قرار قضائي ببطلان نتائج المؤتمر العام العادي الـ38 للحزب الذي عقد في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والذي انتخب فيه أوزغور أوزيل رئيساً للحزب، ليعود بذلك رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو وفريقه لإدارة دفته من جديد، في تطور وصفه مراقبون بأنه “غير مسبوق” في تاريخ الجمهورية التركية.
جاءت هذه التطورات بعد أن رفضت محكمة استئناف في أنقرة، الجمعة، طعن حزب الشعب الجمهوري ضد قرار “البطلان المطلق”، وذلك بعدما قام كليتشدار أوغلو بإخطار المحكمة بفصل ثلاثة محامين تقدموا بطلب الاستئناف من العمل بالحزب، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول استقلال القضاء وتدخلات القيادة الحزبية.
تفاصيل القرار القضائي: “بطلان مطلق” يلغي سنوات من العمل الحزبي
وكانت الدائرة 36 لمحكمة استئناف أنقرة الإقليمية قد أصدرت قرار “البطلان المطلق” الخميس، لتلغي بذلك حكماً سابقاً للدائرة 42 للمحكمة المدنية الابتدائية في أنقرة، صدر في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قضى بأنه لا وجه لإقامة دعوى البطلان، مستندة إلى قانون الجمعيات.
ويُعد هذا القرار سابقة في التاريخ القضائي التركي، حيث يتدخل القضاء في شؤون الأحزاب السياسية بطريقة غير تقليدية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود الفصل بين السلطات واستقلالية المؤسسات الحزبية.
اللجنة العليا للانتخابات: الجهة الوحيدة المخولة
وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة العليا للانتخابات في تركيا هي الجهة الوحيدة المخولة بجميع الانتخابات ومؤتمرات الأحزاب، ولا تخضع قراراتها للاستئناف، وقد صادقت سابقاً على نتائج المؤتمر العام للشعب الجمهوري في 2023، وعلى نتائج مؤتمرات استثنائية وعادية لاحقة عقدت خلال عام 2025.
وعقدت اللجنة اجتماعاً، الجمعة، استمر لساعات طويلة، لمناقشة طعن قدّمته إدارة حزب “الشعب الجمهوري” برئاسة أوزيل على قرار البطلان المطلق، في حين لم يصدر عنها أي بيان رسمي حتى لحظة إعداد هذا الخبر.
أوزيل يتحدى: “انقلاب قضائي ويوم أسود للديمقراطية”
وتعهد أوزغور أوزيل، في مؤتمر صحفي بمقر الحزب ليل الخميس – الجمعة، عقب اجتماع للمجلس المركزي التنفيذي للحزب استغرق خمس ساعات، بتحدي الحكم القضائي غير المسبوق، الذي وصفه بأنه “انقلاب قضائي ويوم أسود للديمقراطية في تركيا”.
وقال أوزيل في تصريحاته: «لن نقبل بقرار يبطل إرادة آلاف المندوبين الذين انتخبونا في مؤتمر شرعي. هذا ليس مجرد حكم قضائي، بل محاولة لاختطاف حزب عريق من قواعده».
وأضاف: «سنستخدم كل السبل القانونية والسياسية للدفاع عن شرعيتنا، لأن ما يحدث اليوم ليس مجرد نزاع داخلي، بل اختبار لمصداقية النظام الديمقراطي في تركيا».
خلفية الأزمة: صراع على القيادة داخل أكبر أحزاب المعارضة
يُذكر أن حزب “الشعب الجمهوري” (CHP) هو أقدم أحزاب تركيا وأكبر أحزاب المعارضة، وقد شهد في السنوات الأخيرة انقسامات داخلية حول استراتيجية التعامل مع الحكومة وحزب العدالة والتنمية الحاكم.
وجاء انتخاب أوزغور أوزيل رئيساً للحزب في مؤتمر نوفمبر 2023 كجزء من محاولة لتجديد القيادة وفتح صفحة جديدة، غير أن القرار القضائي الأخير أعاد كليتشدار أوغلو، الذي قاد الحزب لسنوات طويلة، إلى الواجهة، مما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة الحزبية.
قراءة في التداعيات السياسية
ويرى محللون أن هذه الأزمة تحمل عدة دلالات مهمة للمشهد السياسي التركي:
أولاً، قد تؤدي إلى شل قدرة أكبر أحزاب المعارضة على القيام بدورها في الرقابة والمعارضة، خاصة في ظل استحقاقات انتخابية محتملة في المستقبل القريب.
ثانياً، تثير تساؤلات حول استقلالية القضاء التركي ومدى تأثره بالتحالفات السياسية، خاصة في قضايا حساسة تمس أحزاباً كبرى.
ثالثاً، قد تدفع بالحزب إلى مزيد من الانقسام الداخلي، بين مؤيد لشرعية أوزيل المنتخب في المؤتمر، ومؤيد لعودة كليتشدار أوغلو بموجب القرار القضائي.
ردود فعل متوقعة
ومن المتوقع أن تشهد الأيام القادمة تصاعداً في الجدل السياسي والقانوني حول هذه القضية، حيث قد تلجأ إدارة أوزيل إلى الطعن أمام محاكم أعلى أو حتى إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بينما قد يحاول فريق كليتشدار أوغلو ترسيخ سيطرته على هياكل الحزب على الأرض.
كما قد تتدخل أطراف سياسية أخرى، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الحاكم، للتعليق على الأزمة، إما بدعوة الأطراف للحوار أو باستغلال الانقسام المعارض لمصلحتها السياسية.

