بعد أكثر من عقد على الكارثة السورية ، لم يعد السؤال الحقيقي من يحكم دمشق ، بل بأي عقلية ستُحكم سوريا في المستقبل .
فالكثير من الأزمات التي تظهر اليوم ، سواء السياسية أو الإدارية أو الاجتماعية ، ليست وليدة الحرب وحدها ، بل نتيجة تاريخ طويل من إنكار الحقوق وإدارة الدولة بعقلية الغلبة والإقصاء .
وربما كانت القضية الكردية واحدة من أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك ، حيث جرى التعامل مع مطالب شريحة واسعة من السوريين بوصفها هاجساً أمنياً ، لا قضية سياسية تحتاج إلى حلول عادلة داخل إطار الدولة نفسها .
وفي الوقت الذي يناقش فيه العالم الذكاء الاصطناعي ومستقبل التكنولوجيا ، ما يزال الخطاب السياسي السوري يدور حول شعارات الشرعية والغلبة ، ومن يملك حق تقرير شكل الدولة والمجتمع باسم العقيدة أو “التحرير” .
المشكلة في سوريا اليوم ليست فقط أزمة سلطة ، بل أزمة عقل سياسي ما يزال عاجزاً عن تقبل فكرة الشراكة الحقيقية .
لهذا تبدو مفاهيم مثل الديمقراطية ، والدولة المدنية ، والتعددية السياسية ، وكأنها تنازلات مؤقتة لا أسساً ضرورية لبناء الاستقرار .
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس سلطة جديدة تعيد تدوير أناشيد الماضي ، بل مشروع دولة يعترف بأن المواطنة لا تتناقض مع التعدد القومي أو الديني ،
وأن الاستقرار لا يُبنى بالخوف من الاختلاف ، بل بحمايته تحت سقف القانون .
فالدولة ليست جائزة حرب ، ولا امتداداً أيديولوجياً لأي تيار ، بل عقد سياسي بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات .
وأي محاولة لإعادة إنتاج العقلية القديمة بشعارات جديدة لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها .
وربما تكمن المفارقة الأكثر مرارة في أن العالم دخل مرحلة الذكاء الاصطناعي ، بينما ما زلنا هنا نناقش بديهيات يفترض أن تكون محسومة منذ زمن :
هل يمكن الاعتراف بالتعدد ؟ وهل تصبح المواطنة فوق الهويات الضيقة ؟
وهل يمكن بناء دولة لا تخاف من كلمة ديمقراطية ؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد مستقبل سوريا ، لا عدد الشعارات التي تُرفع فوق أنقاضها . فالدول لا تُقاس بعدد الرايات التي ترفعها ، بل بقدرتها على الاعتراف بجميع مواطنيها وشعوبها دون خوف .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

