الذكرى الخمسون لثورة كولان المجيدة ،إرادة شعب لاتنكسر وملحمة نضال متجددة- جواد ملكشاهي

في السادس والعشرين من أيار عام 1976، وبعد عام واحد فقط من الانتكاسة المؤلمة التي تعرضت لها ثورة أيلول العظيمة نتيجة توقيع اتفاقية الجزائر المشؤومة بين نظام البعث في العراق وشاه إيران عام 1975، انطلقت ثورة كولان المجيدة بقيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني لتؤكد من جديد أن إرادة الشعوب الحية لا تُهزم، وأن القضية الكوردية أكبر من المؤامرات والاتفاقيات العابرة.

 

ظن نظام البعثي العنصري أن توقيع اتفاقية الجزائر سيكون نهاية للحركة التحررية الكوردية، وأن الشعب الكوردي سيفقد ثقته بقيادته ونضاله بعد توقف الدعم الخارجي وانكسار الثورة المسلحة. إلا أن حساباتهم كانت خاطئة، لأنهم لم يدركوا عمق إيمان الشعب الكوردي بحقه المشروع في الحرية والكرامة، ولم يفهموا العلاقة التاريخية المتينة بين الجماهير الكوردستانية وقيادتها الوطنية.

 

جاءت ثورة كولان بوصفها بركانًا ثوريًا أعاد الحياة إلى روح المقاومة، وهزّ أركان النظامين البعثي والشاهنشاهي، وأثبت أن الثورة الكوردية ليست حدثاً عابراً بل هي مشروع أمة تناضل من أجل وجودها وحقوقها المشروعة. أعادت الثورة الأمل إلى الأمة الكوردية، واكدت قناعة راسخة بأن النضال سيستمر مهما اشتدت التحديات والمؤامرات.

 

وخلال العقود اللاحقة، قدم شعب كوردستان آلاف الشهداء والتضحيات الجسام، حتى تمكن من تحقيق مكاسب سياسية ووطنية مهمة، وفي مقدمتها تأسيس كيان إقليم كوردستان الذي يُعد أعظم وأهم مكسب وطني تحقق للشعب الكوردي خلال القرن الماضي. أصبح الإقليم ثمرة لنضال طويل وتراكم تاريخي من التضحيات، ومثالاً على قدرة الشعب الكوردي على بناء مؤسساته وحماية هويته القومية ضمن عراق اتحادي ديمقراطي.

 

إن الذكرى الخمسين لثورة كولان ليست مجرد استذكار لحدث تأريخي، بل هي محطة وطنية مهمة لاستلهام الدروس والعبر، وفي مقدمتها ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الكوردستاني. فالتحديات التي تواجه إقليم كوردستان والقضية الكوردية عموماً تتطلب من جميع الأحزاب والقوى السياسية الكوردستانية أن تضع خلافاتها ومصالحها الحزبية جانباً، وأن تعمل بروح المسؤولية والشراكة الوطنية من أجل حماية كيان الإقليم وصون حقوقه الدستورية، وتفويت الفرصة على المتربصين الذين يسعون لإضعاف التجربة الكوردستانية وتقويض مكتسباتها.

 

فالمنطقة اليوم تقف على أعتاب تغييرات جذرية وتحولات سياسية كبرى، والقضية الكوردية في الشرق الأوسط تمر بمرحلة حساسة ومصيرية تتطلب أعلى درجات الحكمة والحذر ووحدة الموقف. كما أن هذه المرحلة تحمل في طياتها فرصاً تاريخية ينبغي استثمارها بشكل عقلاني ومسؤول، من أجل وضع حد لعقود طويلة من الظلم والاضطهاد، وتمكين الأمة الكوردية من نيل حقوقها المشروعة في الحرية والعدالة والعيش الكريم، وهي الأمة التي قُسمت بين دول المنطقة وما زالت تناضل من أجل تثبيت هويتها وحقوقها القومية المشروعة.

 

وفي الذكرى الخمسين لثورة كولان المجيدة، يبقى الوفاء الحقيقي للشهداء والبيشمركة والمناضلين هو التمسك بقيم الوحدة والنضال والحرية، والعمل من أجل مستقبل آمن ومستقر لشعب كوردستان، وصون المنجزات الوطنية التي تحققت بدماء وتضحيات أجيال متعاقبة من أبناء الشعب الكوردي.

 

المجد والخلود لشهداء كوردستان،
والف تحية لثورة كولان المجيدة في ذكراها الخمسين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *