البراگماتية بدلًا من التخوين- د. عبدالباقي مایی

 

 

البراگماتیة كلمة یونانیة قديمة منشقة من عبارة “پراگما” أی العمل، وهی تعتبر فی العلم الحديث مذهب فلسفي وعملي يعتبر أن قيمة الأفكار أو المعتقدات تتحدد من خلال نتائجها العملیة ونجاحها على أرض الواقع. وفي الحياة اليومية تعني البراگماتیة اتخاذ القرارات بناءً على المصلحة والمنفعة والحلول الواقعية المتاحة بدلاً من التمسك بالقواعد الجامدة. العلاقة بين البراغماتية والتخوين تظهر بشكل واضح في الساحة السياسية، حيث غالبًا ما يُفسر السلوك البراغماتي المرن من قبل الخصوم أو الأتباع المتشددين على أنه “خيانة”.

في كوردستان، كما هو الحال فی معظم المجتمعات الجمعية التي تعيش أزمات سياسية أو اجتماعية عميقة، غالبًا ما يتحول الإختلاف في الرأي إلى إتهامات متبادلة و تهجمات أوإهانات شخصية بدلا من التركیز علی المواضوع المختلف علیها. بذلك یصبح التخوين لغة شائعة في النقاش السیاسی بعد أن كان فی الأصل مصطلحا قبيحا یحوی أسوأ ما تنزل الیه القیم و الأخلاق وأقل ما یصل إلیه الضمیر والوجدان. فبدلًا من مناقشة الأفكار المختلفة و السياسات المتعارضة و النتائج المتصارعة، ينشغل البعض بالحكم على النوايا وتوزيع صكوك الوطنية أو العمالة بوضع صفة الخيانة علی كل شئ لا يتفق مع ما یفكر به أو یعتمد علیه أو یعمل من أجله، حتی وإن كان ذلك فی زمن ما جزءًا من أفكاره أو مركزاً لإعتماده أو هدفاً كان یسعى للوصول إلیه. ثقافة التخوين هذه لم و لن تؤدي إلا إلى تعميق الإنقسامات وإضعاف القدرات و زيادة العراقيل والصعوبات فی طریق إيجاد حلول واقعية للأزمات والمشكلات.

التخوین هو أحد مظاهر التفكير الإقصائي المتطرف و المتعصب اللذی لایتمسك بمبدئه فحسب بل یعطی جل إهتمامه و یصرف معظم وقته و جهده ونضاله فی ما یعمله الآخرون أو ما یتوقعه بأنهم منشغلون به؛ إذ يفترض أن من يخالفنا الرأي لا بد أن يكون مدفوعًا بأجندة خفية أو مصالح مشبوهة وفق “نظریة المؤامرة” الشائعة فی مجتمعاتنا المتأخرة، والسيئة الصيت فی ركب الحضارة المعاصرة. بمنطق التخوين يُختزل الإنسان في موقف واحد، وتُلغى إمكانية الحوار معه أو الاستفادة من أفكاره. وعندما يسود هذا الأسلوب، تتحول الساحة العامة إلى معركة أخلاقية بين “الخير المطلق” و”الشر المطلق”، بدل أن تكون فضاءً للتفكير المشترك والبحث عن أفضل الخيارات الممكنة.

في المقابل، تقوم البراگماتية على تقييم المواقف و السياسات وفق نتائجها العملية، لا وفق الشعارات التي ترفعها أو الإنطباعات المسبقة عنها. فالسياسة، و الإدارة، و العمل الاجتماعي ليست ساحات للمثاليات المجردة فقط، بل مجالات تتطلب فهم الواقع كما هو، والتعامل مع موازين القوى والإمكانات المتاحة، و السعي إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب و تقليل الخسائر.

البراگماتية لا تعني التخلي عن المبادئ أو القيم، كما يعتقد البعض. بل تعني البحث عن الطرق الأكثر فاعلية لتحقيق تلك المبادئ في الواقع. فالتمسك بالشعارات دون القدرة على تحويلها إلى إنجازات ملموسة قد يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، بينما يسمح التفكير البراگماتي بتحقيق تقدم تدريجي و مستدام حتى في الظروف الصعبة.

إن المجتمعات التي تتقدم هي تلك التي تفسح المجال للنقد العقلاني، وتحترم التعددية، وتقبل بأن الاختلاف أمر طبيعي. أما المجتمعات التي يغلب عليها التخوين، فإنها تستهلك طاقاتها في الصراعات الداخلية وتفقد القدرة على بناء توافقات ضرورية للتنمية والاستقرار.

لذلك، نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة التخوين إلى ثقافة الحوار، ومن الأحكام المسبقة إلى تقييم الوقائع، ومن البحث عن الأعداء إلى البحث عن الحلول. فالتحديات الكبرى لا تُواجه بالشعارات والاتهامات، بل بالعقلانية والواقعية والعمل المشترك. وفي هذا السياق، تصبح البراگماتية ليست مجرد منهج سياسي أو فكري، بل ضرورة اجتماعية وأخلاقية تساعد على بناء جسور الثقة وإيجاد مساحات للتعاون رغم الاختلاف.

إن المستقبل لا يصنعه الذين يتقنون التخوين، بل الذين يمتلكون الشجاعة الكافية لفهم الواقع والتعامل معه بحكمة، دون أن يفقدوا بوصلتهم الأخلاقية أو إيمانهم بإمكانية التغيير.

٢٢\٨\٢٠٢٦

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *