انتهى، أو يكاد ينتهي، زمن كانت فيه المعركة واضحة المعالم، وجبهاتها معروفة، وسلاحها معروفاً، وعدوها محدداً.
كان الإرهاب هو العنوان الأكبر للمعركة، وكانت مواجهته تحتاج إلى السلاح والقوة والتضحيات. في تلك الحرب، أثبت الكرد أنهم ليسوا مجرد طرف عابر في المشهد، بل كانوا في مقدمة القوى التي واجهت الإرهاب، ودفعوا ثمناً كبيراً من الأرواح والدماء والسنوات.
لكن ماذا بعد؟
هل يكفي أن ننتصر في معركة واحدة كي نكون قد انتصرنا؟
ربما هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
فإذا كانت المعركة ضد الإرهاب قد فرضت على الكرد حمل السلاح للدفاع عن الوجود والأعراض، فإن المرحلة الجديدة تفرض عليهم أن يعرفوا كيف يستخدمون أدوات أخرى، فالجبهات التي تنتظرهم اليوم ليست جبهة واحدة، ولا تحمل جميعها السلاح نفسه.
هناك جبهة الإقصاء، وجبهتها ليست دبابة ولا بندقية، وإنما عقلية سياسية ترى في الاختلاف خطراً، وفي الاعتراف بالآخر تنازلاً.
وهناك جبهة الخوف، وهي أكثر تعقيداً. فالكرد يحملون ذاكرة طويلة من التهميش والإنكار، وفي المقابل يحمل آخرون مخاوف من أن تتحول المطالب الكردية إلى مشروع انفصال أو تقسيم.
والتغلب على هذا الخوف المتبادل يحتاج إلى سياسة تطمئن ولا تهدد، وتطالب بالحقوق من دون أن تصنع جدراناً جديدة بين مكونات المجتمع.
وهناك جبهة أخرى لا تقل أهمية: الانقسام الكردي نفسه.
فليس من المنطقي أن يستطيع الكرد توحيد صفوفهم في أصعب المعارك، ثم يعجزوا عن الاقتراب من بعضهم عندما تنتقل المعركة إلى السياسة.
الخلافات السياسية أمر طبيعي، لكن تحويل الخلاف إلى قطيعة دائمة قد يجعل ما تحقق في الميدان أصعب على الحماية في السياسة.
ثم تأتي جبهة بناء الدولة.
وهذه ربما تكون المعركة الأكثر اختلافاً عن كل ما سبق.
فالدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بالدستور والقانون والمؤسسات والمواطنة والقدرة على إدارة الاختلاف.
وهنا سيكون الاختبار الحقيقي:
هل يستطيع الكرد نقل ما راكموه من قوة وتضحيات واعتراف سياسي إلى حقوق واضحة داخل الدولة السورية؟
فالانتصار العسكري يمكن أن يكون له يوم محدد، ومكان محدد، وصور ورايات وشهداء.
أما الانتصار السياسي فلا يملك هذه الرفاهية.
إنه يحتاج إلى أن يظهر في الدستور، وفي المدرسة، وفي اللغة، وفي المؤسسات، وفي الشارع، وفي بساطة حياة الناس اليومية.
وهناك أيضاً جبهة الاقتصاد والتنمية.
فبعد سنوات طويلة من الحرب، لا يكفي أن نتحدث عن الحقوق السياسية بينما يعيش الناس تحت ضغط الفقر والبطالة وغياب الخدمات.
السياسة التي لا تنعكس على حياة الناس تفقد جزءاً كبيراً من معناها.
وربما تكون أصعب الجبهات كلها هي جبهة الوعي السياسي.
أن يعرف الكرد متى يتمسكون بموقفهم، ومتى يفاوضون، ومتى يقدمون التنازل التكتيكي من أجل مكسب استراتيجي، ومتى يرفضون التنازل عن مبدأ أساسي.
السياسة ليست معركة يمكن فيها دائماً إعلان منتصر ومهزوم؛ أحياناً يكون الانتصار الحقيقي هو الوصول إلى صيغة تجعل الجميع قادرين على الاستمرار.
نعم، لقد كانت البنادق ضرورية في مواجهة الإرهاب، لكن بالبنادق وحدها لا تُبنى الدساتير، ولا تُنتج المواطنة، ولا يُزال الخوف، ولا ينتهي الإقصاء.
هنا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال فقط: من انتصر في الحرب؟
بل أصبح:
من يستطيع أن ينتصر في السلام؟
ومن يستطيع أن يحول تضحيات السنوات الماضية إلى مستقبل لا يحتاج فيه الجيل القادم إلى خوض الحرب نفسها مرة أخرى؟
لقد عرف الكرد كيف يقاتلون عندما كانت الجبهة واضحة.
أما اليوم، فالجبهات متعددة، والأسلحة مختلفة، وبعضها لا يُرى بالعين.
هناك جبهة في الدستور، وأخرى في السياسة، وثالثة في الاقتصاد، ورابعة في المجتمع، وخامسة داخل البيت الكردي نفسه.
والانتصار في هذه الجبهات لن يُقاس بعدد البنادق، ولا بعدد المعارك، ولا بعدد الأوسمة.
وهنا ربما نصل إلى السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه:
إذا كان الكرد قد انتصروا على الإرهاب، فعلى ماذا يجب أن ينتصروا اليوم؟
ربما عليهم أن ينتصروا على عقلية الإقصاء، وعلى الخوف، وعلى الانقسام، وعلى الفقر السياسي، وعلى انتظار الخارج، وعلى إغراء الاكتفاء بما تحقق.
لكن الانتصار الأهم قد يكون أن يتحولوا من شعب أثبت قدرته على الدفاع عن نفسه، إلى شعب يثبت قدرته على المشاركة في بناء دولة تتسع له ولغيره.
ففي زمن الحرب، قد يكون الوسام مكافأة على الشجاعة.
أما في زمن السلام، فالوسام الحقيقي ربما يكون دولة لا يحتاج فيها أحد إلى حمل السلاح كي يثبت أنه موجود.
أما الأوسمة الأخرى…
فلنبقها معلقة قليلاً.
إلى أن نجد الصدر أو العنق الذي يستحق أن يحملها.
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

