السيد مظلوم عبدي ، أو مصطفى عبدي كما أعرفه ، لم نلتقِ منذ أن خرجنا من غرفة الامتحان نفسها ، ونحن نقدّم امتحان البكالوريا في حي سيف الدولة بمدينة حلب ، قبل أربعين عاماً .
كنا يومها طالبين ، وكانت أعيننا على المستقبل ، وعلى جامعة حلب وفروعها ، وعلى حياة جديدة كنا نظن أنها تنتظرنا بعد ذلك الامتحان .
لم نكن نعرف أن الحياة ستضع أمامنا امتحانات أخرى ، وأن الطرق التي ستأخذنا إليها ستكون مختلفة إلى هذا الحد .
خرج كلٌّ منا بعدها إلى طريقه ،
ومضت السنوات ، وتباعدت المسافات ، وتغيرت الأماكن والأدوار .
وجاءت على وطننا سنوات الحرب والتهجير والبعد عن الأوطان ، حتى أصبح لكل واحد منا حكاية لا تختصرها الكلمات .
لا أريد أن أستعيد تفاصيل تلك السنوات ، ولا أن أقارن بين الطريقين اللذين سلكهما كلٌّ منا .
لكل إنسان حكايته ، ولكل مرحلة أثمانها ، وبعض الحكايات يكفي أن نعرف أنها كانت ثقيلة .
ما يعنيني اليوم هو المسؤولية التي وصلت إليها ، وما تعنيه هذه المسؤولية في لحظة سورية وكردية شديدة التعقيد .
فالموقع الذي تقف فيه اليوم لم يأتِ من فراغ .
خلفه سنوات من الحرب والمقاومة ، وشهداء وجرحى وأيتام ،
وقرارات سياسية وعسكرية لم تكن سهلة ، حمل أصحابها نتائجها ، سواء اتفقنا معهم في كل قرار أو اختلفنا .
طريق الحرية له ثمن ، والثمن في حالتنا لم يكن مجرد أرقام تُذكر في صفحات التاريخ ، بل أرواحاً وبيوتاً وذاكرة وأجيالاً دفعت من أعمارها الكثير .
لهذا تبدو المرحلة الحالية مختلفة .
حين ينتقل العمل من ساحات المواجهة إلى طاولات السياسة ، تتغير الأدوات ، لكن المسؤولية لا تصبح أخف .
فهناك فرق بين أن تدافع عن وجودك ،
وبين أن تفاوض على مكانك داخل دولة ؛ وبين أن تصمد أمام الخطر ، وبين أن تحاول صياغة قواعد تمنع عودته .
السياسة لا تقوم على النوايا الحسنة وحدها .
فيها التفاوض والمساومة والحسابات ، وفيها مصالح دول وقوى إقليمية ودولية . والكلمات الطيبة قد تفتح باباً للسلام ،
لكنها لا تكفي وحدها لحماية الحقوق إذا لم تستند إلى قوة سياسية ، ورؤية واضحة ، وضمانات يمكن الوثوق بها .
وهنا ربما تظهر إحدى نقاط الضعف التي ينبغي ألا نغفل عنها . فبساطة أهلنا وطيبتهم وحسن نيتهم صفات نعتز بها ، لكنها في السياسة يمكن أن تتحول ، إذا لم ترافقها يقظة ، إلى باب يستفيد منه الآخرون .
الثقة مطلوبة ، والكلمة الطيبة ضرورية ، لكن الحقوق لا تُحمى بالوعود ،
والدول لا تُبنى بحسن النوايا وحده .
وفي دمشق اليوم ، لا يحمل الصوت الكردي معه ملفاً سياسياً فحسب ، بل يحمل ذاكرة مجتمع كامل ، وطموحات جيل ، وأسئلة من دفعوا ثمناً باهظاً خلال سنوات طويلة .
الشهداء لا يجلسون إلى طاولة التفاوض ،
والجرحى لا يشاركون في صياغة الاتفاقات ،
والأسر التي فقدت أبناءها لا تبحث عن عبارات جميلة ، بل عن معنى حقيقي لما حدث .
والذين هُجّروا وأُبعدوا عن ديارهم لا يريدون بالضرورة العودة إلى الماضي ، بقدر ما يريدون أن يعرفوا ماذا سيكون المستقبل .
وهنا تبدأ المسألة الأهم .
إن وجود الصوت الكردي داخل مركز القرار السوري تطور مهم بحد ذاته ، بعد عقود كان فيها الكرد يُناقشون غالباً من خارج دوائر القرار ، أو يتحدث الآخرون باسمهم ، أو يُطلب منهم انتظار «المرحلة المناسبة» .
لكن قيمة الحضور لا تقاس بمكان الجلوس ، وإنما بما ينتج عنه .
فالمطلوب أن يتحول الحضور إلى مشاركة ، والمشاركة إلى تأثير ،
والتأثير إلى حقوق واضحة ومضمونة .
وإلا بقي الأمر مجرد انتقال من خارج الغرفة إلى داخلها ، من دون أن يتغير شيء في مضمون القرار .
هذا هو السؤال الذي أراه أكثر أهمية من اسم المنصب أو صفته :
ماذا سيفعل الصوت الكردي بهذا الوصول ؟
هل سيكون جزءاً من صياغة الدولة السورية الجديدة ،
أم مجرد طرف تتم استشارته عند الحاجة ؟
وهل يستطيع أن يساهم في بناء دولة تعترف بتنوعها ،
وتحمي حقوق مواطنيها ، وتضع حداً للسياسات التي جعلت من الهوية الكردية طوال عقود قضية مؤجلة ؟
هنا لا تكفي قوة الشخص ، مهما كان موقعه .
القضايا الكبرى تحتاج إلى أوسع دائرة ممكنة من الرأي المسؤول .
والاستماع إلى أصحاب الكفاءة والخبرة من أبناء الشعب ، بعيداً عن خلفياتهم الحزبية والتنظيمية ،
لا ينتقص من قوة القيادة ، بل يمنح القرار مساحة أوسع للرؤية .
فالخبرة ليست ملكاً لحزب ،
والكفاءة لا تحمل بطاقة تنظيمية .
وقد يكون الاختلاف بين الكرد أمراً طبيعياً ، بل ضرورياً أحياناً ، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تشتت في القضايا التي تمس الحقوق والمصالح الأساسية .
وحدة الكلمة لا تعني إلغاء الخلاف ،
وإنما تعني أن نعرف أين نختلف ،
وأين يجب أن نتفق .
وعندما تُبنى هذه الوحدة على التشاور والاحترام والمصلحة العامة ، فإنها تصبح سلاحاً سياسياً مجرّباً ، وأرضية صلبة يمكن الوقوف عليها عندما تشتد الضغوط .
فالمفاوض الذي يدخل إلى الطاولة وهو يحمل خلفه مجتمعاً متماسكاً ليس كمن يدخلها وحيداً .
من هنا ، فإن الانتقال إلى السياسة لا يعني التخلي عن ما تحقق ، بل حماية نتائجه بأدوات جديدة .
والسلاح الذي كان ضرورياً في مرحلة معينة لا يستطيع أن يكون وحده أداة بناء الدولة ، كما أن السياسة التي لا تملك القدرة على حماية مكتسباتها قد تجد نفسها أمام خسارة ما تحقق .
المطلوب إذن ليس استبدال وسيلة بأخرى فحسب ، وإنما تحويل ما راكمته سنوات الصراع إلى مشروع سياسي قابل للحياة ، وإلى حقوق دستورية وقانونية ومؤسساتية لا تبقى رهينة التوازنات المؤقتة .
الدولة التي نريدها للكرد ليست دولة فوق سوريا ولا دولة داخل دولة ، وإنما سوريا يشعر فيها الكرد بأنهم مواطنون كاملو الحقوق ، وأن لغتهم وثقافتهم ووجودهم القومي جزء من حقيقة البلاد ، لا مشكلة تبحث الدولة عن طريقة للتخلص منها .
في النهاية ، أرى أن معنى المشاركة الحقيقية في بناء الدولة هو :
أن يكون للكرد مكان في صياغة مستقبل سوريا ، لا مجرد مكان في مؤسساتها .
ربما تغيرت الأماكن منذ ذلك اليوم ، وتغيرت الأدوار ، وتغيرت الأدوات ، لكن بعض الأسئلة بقيت معنا طوال الطريق .
خرجنا يومها من غرفة الامتحان ونحن نفكر في مستقبلنا ، ولم نكن نعرف أن الحياة ستأخذنا إلى أماكن لم نتخيلها .
واليوم ، بعد أربعين عاماً ، يبدو أن الامتحان الأصعب لم يعد امتحان طالبين ، وإنما امتحان مرحلة كاملة .
فالمطلوب ليس فقط أن يصل الصوت الكردي إلى قلب دمشق ، بل أن يخرج من هناك بما يجعل هذا الوصول ذا معنى :
بحقوق واضحة ،
وشراكة حقيقية ،
ومكان ثابت في الدولة السورية الجديدة .
وحتى أكون منصفاً ، ليس لدي إجابة جاهزة ، ولا أريد أن أقدمها على شكل نصيحة .
لكنني أعتقد أن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمام الجميع هو :
هل نستطيع أن نحول كل ما دفعناه من أثمان إلى مستقبل لا يحتاج فيه أبناؤنا إلى دفع الثمن نفسه مرة أخرى ؟
قبل أربعين عاماً ، كنا طالبين ننتظر نتيجة امتحان .
أما اليوم ، فهناك شعب ينتظر نتيجة مرحلة .
والفرق كبير .
ففي ذلك اليوم كانت النتيجة ستحدد طريق طالبين ، أما اليوم فإن الإجابة التي تُكتب في دمشق قد تحدد الطريق الذي سيسلكه شعب بأكمله .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

