تاريخ الشرق الأوسط الحديث يقدم أمثلة كثيرة على محاولة حل مشكلة التنوع عن طريق إنكارها، وذلك بسبب التأخر الإجتماعي نتيجة للاستعمار و سياسة “فرق تسد” وأخيرا النظريات التی تتبنى الفلسفة الرأسمالية أو تسییس المبادئ الدینیة أو القومية المتطرفة، خاصة بعد أن أصیبت النظریات المبنية علی الفلسفة الإشتراكیة بالنكسة فی تجربة الإتحاد السوڤییتی (1922–1991) التی لایزال العالم المتحضر یعانی من نتائجها ومن هذه النتائج هيمنة النظام الرأسمالي علی السلطات الدولية بحیث تصبح الدول القومية مسيرة بنظام القومية الواحدة التی تحكم بمفردها فتستمر فی إضطهاد المكونات الأخری بإسم الدیموقراطیة وحكم الأغلبية علی الأقلية.
أصبحت منظمة الأمم المتحدة مشلولة تماما فی الوقت الحاضر فی إنتظار منافس للنظام الرأسمالي الذی ينفرد بسيادة العالم حالیا فوصل الأمر بمجنون مصاب بداء العظمة و إضطراب الشخصیة النرجسية أن یأتی عن طريق شراء الأصوات بماله وشركاته وشبكاته المالية والتجارة فی العالم فجبر السلطات فی الدول القومية السائدة فی العالم لكی تستغل شعوبها وترضخ للتحسس والإستبداد، وما هی إلا علامة أخری علی فشل دیموقراطیة الرأسمالیة العالمیة ذات الشركات المتعددة الجنسیات، بينما یضیع حق الشعوب فی التمتع بحقوقها فی الحریة والإستقلال، والشعب الكوردی مثال حی كونه أكبر شعب فی العالم محروم من دولته القومية الخاصة.
كان الكفاح المسلح وسيلة مقبولة من قبل منظمة الأمم المتحدة فی نطاق تمتع الشعوب بالحرية فی تقرير المصير. ولكن ذلك أصبح يعرف بالإرهاب من قبل الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمریكیة. فلم یعد فی وسع هذه القوميات والشعوب المغلوبة علی أمرها إلا القبول بالمقاومة السلمية لطحقیق أهدافها، كما یحدث الآن كوردستان حیث تعمل الدول القومية التی تقسم كوردستان علی فرض القومية التركية فی تركیا، والفارسية فی إیران والعربية فی كل من سوریا والعراق. فقد ارتبط بناء الدولة القومية في كل من هذه الدول بمحاولات فرض هوية وطنية واحدة، وأدى ذلك إلى تهميش الهوية الكوردیة بلغتها وثقافتها و خصوصياتها لاخری. في مثل هذه الظروف تتحول الهوية من وسيلة للانتماء إلى وسيلة للمقاومة. وهنا يمكن أن يقدم نموذج روجآفا فكرة مختلفة: بدلاً من مطالبة الفرد بالتخلي عن هويته من أجل الانتماء إلى المجتمع، يمكن الاعتراف بهويته باعتبارها جزءاً من المجتمع نفسه. فالكردي لا يحتاج إلى أن يصبح أقل كردية لكي يكون مواطناً؛ والعربي لا يحتاج إلى التخلي عن هويته العربية؛ والسرياني لا يحتاج إلى إخفاء لغته وثقافته لكي يكون جزءاً من المجتمع السياسي. لكن هذه الفكرة تواجه تحدياً جوهرياً: إذا أصبح لكل جماعة إطارها السياسي والثقافي الخاص، فما الذي يجمع الجميع؟ وهنا نصل إلى قلب مسألة الاندماج كحل چذری لهذه المشكلة فی جميع هذه الدول.
فی المناطق المتنازع عليها بین الحكومة المركزية فی بغداد و حكومة أقلیم كوردستان لازال الشعب الكوردی یعاني من فشل فی تطبیق الدستور العراقي الجديد. هونهر طالب فی المرحلة الرابعة فی كلية القانون فی إحدی جامعات دهوك (یظهر معی فی الصورة هنا بموافقته)، التقيت به الیوم فی جولتی الیومیة بالمشي فی أطول وأقدم شارع فی وسط دهوك، وهو عمل فی بیع الشای علی الشارع وفق التقليد الكوردی فی تقدیم الشای، ورغم قلة الواردين علی محله المفتوح فهو فخور بعمله فی عطلة الصيف التی أشرفت علی الإنتهاء حیث تبدأ السنة الدراسية الجديدة فی الأسبوع القادم. یقول هونهر:
- أنا من إحدی قری بهردهرهش التی تتبع للمناطق المتنازع عليها، سوف أقدم لدراسة الماجستر فی الموصل بدلا من دهوك، لأن النطام الجامعي فی أقلیم كوردستان لایقدم النسهیلات التی سوف أحصل عليها من السلطة المكرزیة فی الموصل.
- ألا يتم تطبيق القانون العراقي بالتساوي في جميع أنحاء العراق؟
- بلی، ولكن الحكومة المركزیة تقدم لی تسهيلات خاصة لكونی من المنطقة المتنازع عليها، فأكون مجبرا بدراسة ماستر فی القانون باللغة العربیة، وأفقد بذلك فرصة التعلم والاختصاص فی تقدیم اطروحة الماستر باللغة الكوردیة التی هی لغة الأم بالنسبة لی، وبهذا تنجح الحكومة المركزیة فی تحویلی من كادر قانوني كوردی إلی كادر عرب، بينما رغبتی هی أن أستمر ف دراسة القانون باللغة الكوردیة فی دهوك إذا قدمت لی حكومة أقلیم كوردستان نفس التسهيلات التی ستقدمها لی جامعة الموصل.
هكذا كان من الأرجح أن تتم معاملة “هونهر” كعراقي وفق الإندماج بإعتبار هويته كوردا مندمجا فی العراق كما یعامل العربی أنما كان فی العراق له الحق أن يحصل علی التسهيلات الضروریة سواء” كان یدرس باللغة الكوردیة أو العربیة. هذا لا یمكن فی إقليم كوردستان العراق بسبب لامركزيته، بينما من الممكن أن يحصل فی منطقة الإدارة الداتية التی تندمج مع سوریا الجديدة. بذلك تكون الهوية مشكلة فی النطام العراقي ولكنها تتحول إلی مصدر قوة فی النظام السوریالجديد.

